يخطو الكاتب خطواته على دروب الذاكرة، خطوات متقاطعة غير متواصلة، متقافزة، مكانًا وزمانًا تتراوح جيئة وإيابًا، تترك أثرًا عميقًا في وجدان راويها وقارئها، تتقاطع وتتلاقى الخطوات راسمة حكايا شعب متعبة، مثقلة، فرحة مفرحة، هزلية ساخرة، جدية مجدية. لقطات ترتبط بفقد المكان وبحضوره، بكل مكونات المكان ومعانيه، بترابه، مائه وهوائه، بصاحب المكان الأصلي، بصبره، بتينه وزيتونه، بطيوره ودوابه، وبروائح خبز الطابون والمجدرة والقهوة واليانسون، بريحة العقد وجدران البيت، بعطر الوالدين والأحبة، والزمن الجميل.
يسمو المكان عند فوزي إلى الآفاق متجذرًا بقريته اقرث المهجرة الرانية إلى عودة الأهل، كما بان ذلك موجعًا في قصة سهيل وآخرون، "كان قدري أن أكبر في بحر غربة قاسية، لا الجدار لي ولا الزقاق، لا التراب لي ولا الهواء، لا العشب لي، لا الزهر لي، لا الحاكورة ولا الزيتون، لا القمح ولا البيدر"، وأكمل الوجع بالوجع في قصة يوم نكبتنا " نمشي ونسمع الكبار يقولون": (هون كان بيت الياس البشارة وهون كان بيت عطاالله، هون المعصرة...هون دكانة أبو رجا... هون بيتنا يما، هون ولدتك انت واخوتك، أخ يا ويلهن من الله...)، ثم ينبعث الأمل عزما من بطون قصة " اقرث وتوفيق زياد"، وببحة توفيق المميزة يقول مخاطبًا أحد السائلين بالعبرية عن اسم البلد،(هذه اقرث التي هدمها جيشكم بعد طرد أهلها، وهذا الجيل الذي سيبنيها من جديد)، وبهذا الألم والأمل، وبحرقة المأساة يشدني وبلدتي صفورية المهجرة إلى صفحات كتابه "الصفافرة .. جعلوا لكل بيت شرفة تطل على المكان الذي تركوه عنوة ولم يتركهم، يشربون قهوة الصباح الممزوجة بالدمع النابع من عين تنظر نحو عين ماء يجري، ينتظرون النسيم الآتي من الغرب مساء حاملا رائحة الحواكير والبساتين".
لا يبتعد الكاتب المهجر ولا ينفك عن التصاقه بالمكان المجروح، ولا ينسى لسعات رياح الهجيج، يروح لينتعش بنسمات البقاء في الوطن، ثم لا يلبث ليعود إلى لوعة الفقدان. ثم إلى فيض فضائه، إلى حبه، إلى الرامة، بلد الطفولة والبلوغ، ولأماكن اخرى عديدة تصدرت عناوين صفحات خطواته "من وحي زيارة إلى يافا.. كانت وظلت عكا.. البقيعة بلدي.. في طمرة الحبيبة، وغيرها من بلداتنا العامرة، ليمتهن لاحقًا، وبمهارة لافتة وقدرات لامعة رسالة التعليم والإرشاد، لمعرفة عالم ومعالم الوطن، كل الوطن
الكاتب فوزي اختار أبعاد المكان لتصبح بعدًا حياتيًا ملازمًا له في المهنة، وفي مواهبه الدفينة والمتدفقة، كتابة، شعرًا، خطًا ورسمًا، فقد أبدع بريشته التي زينت صفحات كتابه هذا بالرسومات المُعَبِّرة لتكتمل ثراءً ودلالة. نجح القاص فوزي، ومن خلال إلمامه ومعرفته الشاملة، بإبراز هموم واهتمامات وعادات ومناسبات شعبه اليومية، وقد أبدع بشرح طرق الطهي والطبخ لأكلات وأطعمة معينة، مثلًا في قصة "السليقة/ البقل"، اذ وبعد تبقيل نبتة العلت في الربيع بالإمكان تقسيمه إلى ثلاث اكلات، "بعد سلقه بالماء تضاف إليه حوسة البصل شبه المحروقة، والثاني يُضاف إليه الثوم الطازج"، أما القسم غير المسلوق فكان "يقطّع ويُضاف إليه البصل والليمون وزيت الزيتون وبعض السُمّاق ليصير سلطة شهيّة". أمّا الخبّيزة فتُطبخ بالبصل وزيت الزيتون، "أمّا السبنيخة أو العوّينة فهي مثاليّة لصنع الفطائر بإضافة البصل والسُمّاق". "وللشومر بطعمه القريب من اليانسون أكلات طيّبة تُؤكل نيّئة، كما تدخل في العجّة التي دعاها الناس "عجّة شومر".
يصف الأعياد والمناسبات بدقة مثيرة للاهتمام والاعجاب، في عيد الشعنينة "نخلع فيه البسة جديدة وننتعل حذاء لا نحظى بمثله طوال العام "، وعن شهر رمضان في طمرة، يلبي دعوة زميله للفطور "بعد رفع الاذان وترديد (بسم الله الرحمن الرحيم)، سكت الكلام وعلا صوت الملاعق، أخذنا نأكل وجبة تلو أخرى، اللحوم والخضار والفاكهة والحلوى والمجففات والمكسرات والسحلب والشاي والقهوة، ويطول السهر وتتنوع الوجبات، وما ان غفونا حتى جاء السحور"، وقد أتاح لألعاب الطفولة مساحة رحبة" أما كرة القدم فكنا نصنعها من بقايا قماش نجمعها من البيوت، نخيطها معا لتصير كرة، كنا نسميها (طابة شراطيط)". وتطرق لعذاب ومعاناة الحمّام والهروب منه "الماء يغلي فوق نار الحطب على الأثافي الثلاث، ننتظر الساعة التي تنزع عنا ملابسنا بالقوة، نجلس في اللجن وينزل الماء على رؤوسنا، وتبدأ رغوة صابونة الزيت تدخل عيوننا ويبدأ الصراخ.."
لقد أفسح مكانًا ومكانة عالية ومحترمة لمعلميه، ولزملائه المعلمين وفاءً لهم، وتقديرًا لعطائهم التعليمي والتربوي، أبدى إعجابه الرفيع، وحبّه الكبير لجميع معلميه الذين أثروا ثقافته وساهموا في بلورة شخصيته العلمية والثقافية والوطنية. أحاطه الكثير من الأصدقاء واهتم بذكر أسماء العديد منهم حُبًّا ودفئا، حزن لفراق البعض وفرح للقاء البعض الآخر.
يجول كاتبنا فوزي وبمرونة في أنحاء ذاكرته الخصبة فيأخذنا حنينًا وادعًا إلى صفوف الطفولة ويُجلسنا على البنوك السوداء القديمة الطويلة التي تتسع لستّة أولاد متراصين، يلتصق الواحد بجاريه، والتي يصدر عنها صرير كلما تحرك أحد الجالسين"، ويستمر بدقة في وصفه لفضاء الصف الطفولي.
لم يخجل الكاتب من البَوْح بخجله الشديد الذي فضَّه "عظيمان" من معلميه، من خلال التقرُّب إليه محبَّة وودًا "دعاني المعلم .. ربَّتَ على كتفي ومسَّد شعري بيده مثنيًا على مبادرتي بالسؤال حاثًّا أن أفعل في المستقبل"، والمعلم الآخر "كان يسألني كل صباح ان كنت بحاجة لمساعدة"، انهما مشهدان لرسالة تربوية سامية، مُثَقِّفَة تُمَثِّل مقياسًا صائبًا لمدى نجاح المُعَلِّم، أي مُعَلِّم.
خجله الوردي لم يشأ ان يبرحه، بل بقي حاضرًا يطبع وجنتيه ليرافقه في مسارات عشقه البريئة، "فتحت المُغَلَّف لتفوح منه رائحة عطر، أخرجت الورقة من المُغَلَّف لأجد في رأسها طبعة شفتين بالأحمر ومثلها في الزاوية السُفلى... وأخذت أشمّ الورقة المعطَّرة... احمَّرت وجنتاي وأذناي وأنا أقرأ الرسالة، المُزيَّنة بالقُبَل وبجملة I Love You".
انتظرت طفولته وبشغف قبلة من شفاه معلمته الشقراء الجميلة "جئت بعد عطلة العيد لابسًا ثيابًا جديدة، شعري مرتَّب جميل.. تعمدت لفت نظرها.. وأخذت ارفع إصبعي عند كل سؤال، متغلبًا على خجلي الشديد، لكن هذا لم يُجدِ .." لكنها ولخيبته قبَّلت طالبًا آخر، وبقي كاتبنا قابعًا في حسرة الانتظار، يغادر طفولته ويواجه شبابًا حالمًا، عاشقًا، رعشًا "أنام وطيفها بين جفوني، والكلام يتراقص على شفتي.. قابلتها ببسمة فيها دلالة وبادلتني بابتسامة فيها دلال، سألت عن حالها، أجابت بأنها في غاية السعادة، ظننتها ستضيف كلمة حبيبي، لكنها لم تفعل"، ثم وبعد سنين طوال "تعانقنا بحرارة كما كنا نتمنى، ولم نجرؤ..."، تتبعثر الحسرة ويعتدل الحب ويدوم.
خطوات على طريق الذات، هي توثيق صادق لقصص وتجارب حقيقية عاشها وعايشها الكاتب خلال مسيرة حياته، وضع لها العناوين التي تشير إلى مضامينها المتنوعة، منها ما حمل أسماء حقيقية لشخصيات صديقة بعينها، ادريس، سهيل، عبد المجيد، محمود، او بكنيتها لعربية المميَّزة، ابو صبحي، أبو وائل، أبو راجح، أو موصولة بصلة القربى والاحترام، أخي علي، عمي ابو السعيد، عمي اندراوس، صديقي أحمد، أو بمهنة التعليم، المعلم ذيب، المعلم شكري.
كذلك شملت قصصه القصيرة اسماء بلداتنا العربية العامرة والمهجَّرة، كبلدته المهجرة اقرث، مخيم اقرث، صفورية المهجَّرة، طمرة، البقيعة، عكا، يافا الحبيبة، ويدهشنا بمعرفته الواسعة بأسماء النباتات المنتشرة وخاصة في شمال البلاد، والتي تحمل أكثر من اسم حسب المنطقة السكانية، مثلا العوينة هي السبنسيخة، ميرمية هي الجعساس، نبتة الحبق هي الريحان، شجيرة الغوردة هي الغار، ويضيف نبتة اللوف، المرار، البابونج، اشجار الحور، العناب، السنديان، الزيتون الرومي المعمر، الملول، الزنزلخت، الرمان، التين، الصبر، الصنوبر، ثم يشير إلى شهرة البلدان بنبتة خاصة تميزها، تبغ فسوطة، عنب بيت جن، زيتون الرامة، تين الجش، رمان صفورية بلدي، ورمان كفركنا مولدي، ويستذكر أسماء المواقع والحواري التي عاشها، القسطل، الكاف، خلة القصب، القبيسة، عين الغنم، المغلاجة، الصوانة، مرج سارة، حارة الفوارسة، عين الحوضين، جبل حيدر الذي يحتضن قرية الرامة، وكذلك ابدع فوزي ناصر بتوثيق أسماء الأدوات المستعملة في مجالات مختلفة، مثل، الخلقينة، وعاء معدني كبير الحجم، ثقيل الوزن لحمل القمح، الشقشاقة، أو الشاروط وهي العصا الطويلة لضرب أغصان الزيتون، الطاسة، غربال الضابوط صاحب العيون الصغيرة، شوال ابو حز أحمر، كيس الخيش، الجاروشة، العرزال ويعني العريشة، البابور، البريموس، الرسن، ويذكرنا بمحفظة القماش المدرسية ولباس الكاكي والقمباز وغيرها الكثير.
تجلّت شخصية فوزي الإنسان، من خلال المتابعة الحريصة لرحلة الوسادة الدافئة، رحلة مؤثِّرة لوسادته ووسادة أخيه واخته منذ الطفولة، تبدأ الجدة بإهداء الوسادة إلى حفيدها طارق، ثم أهداها الجد فوزي لحفيده، والتي لم تلبث عنده طويلًا لتعود الوسادة فاترة، كئيبة إلى ركن بارد من الخزانة، "ويكبر الحفيد دون ان تتعطر الوسادة بأنفاسه، وان يشم رائحة أهله.."، يتنهد الكاتب الجد ويخاطب الوسادة المنزوية في ركنها الساكن "ربما تخرجين يوما لمرافقتي في رحلتي الأخيرة".استطاع المبدع فوزي بهذا المشهد الصادق العميق أن يسمو أدبيًا إلى الأرقى ويتركنا شاردين، هائمين نرقب رحلة انسانية ابوية باسمة دامعة.
ذكريات ماثلة تضيء لقطات متباعدة، متقاربة، متداخلة لسيرة ذاتية تنتظر المزيد من الاضاءات المتزاحمة، المتدافعة، للظهور خوفًا من الخباء والضياع، إنه عمل تثقيفي توثيقي حي وصادق لحياتنا، لبقائنا على أرضنا، أرض الأجداد والآباء، عمل وطني انساني، منسوج بسلاسة متناغمة ولهجاتنا الشعبية المحكية المحلية، وبسردية صادقة ممتعة، حرص الكاتب فوزي ناصر على نقل هذا الإنجاز الأدبي الرائع، هذا الالتقاط المبدع لشواهد الذاكرة، إلى أبنائنا، أحفادنا، إلى الأجيال القادمة، كي تبقى هذه الذكريات، ولا تنسى.
خطوات تستحق القراءة والتقدير، جهد مبارك، وعمل ابداعي يحمل الكثير من الوفاء.
(صفورية- الناصرة)



.png)

.png)






.png)
