دِمَـــــــــــــشْــــــــــــقِــــــــــــــيَ، والياء ياء النسبة، نسبة مكان إلى شخص، وهو مغاير لما عرف وشاع استخدامه من نسبة الشخص أو الشيء إلى المكان كالشامي، والدِمَشقي، والمقدسي... إلخ. ترى كم من الملايين من البشر ارتبطوا بدمشق عبر آلاف السنين؟ وأيهم أولى بأن ينسبها إلى نفسه؟ كلهم؟ جُلُّهم، بعضهم؟ أم أنه لا يجوز لأحد التفرد بنسبتها لنفسه؟ نعم، يجوز لكل فرد ارتبط بهذه المدينة محبًا منتميًا أن ينسبها لنفسه، وليست النسبة مرادفة للمُلكية في هذا المقام، بل إلى تلك العلاقة الخاصة التي تربط الشخص بهذا المكان على نحو ما، بكل مداخلاتها، ومكوناتها وأبعادها، وخصائصها، إنها الفضاء الذي تعيش فيه هذه العلاقة وتنمو، وهذا ما أبدعت المهندسة سعاد العامري في تجسيده بكل ما تبلور في وجدانها من خبرة الهندسة المعمارية إضافة إلى خبرتها الإنسانية، و قد نقلت هذا التجسيد مصورا على صفحات روايتها الموسومة "دِمَـــــــــــــشْــــــــــــقِـــــــــــــــيَ" والصادرة عن منشورات المتوسط في ميلانو ، إيطاليا عام 2019.
أشير ابتداء إلى كون هذه الرواية مترجمة من اللغة الإنجليزية، وأن عبارة وردت على الغلاف تدل على مشاركة فاعلة في الترجمة من قبل الكاتبة إلى جانب السيد عماد الأحمد الذي شارك في الترجمة، وأسهمت مشاركة الكاتبة في نقل روح الرواية بشفافية بالغة، يقتضيها مسار التفاعل مع هذه المدينة العريقة.
من دمشق أبدأ، وتحديدا من "قصر البارودي" بما هو كيان يتعدى كونه مسرحًا رئيسًا لأحداث الرواية إلى كائن يكاد يكون "من لحم ودم" كما ورد على الغلاف الثاني للرواية، وقد نقلت الكاتبة للقارئ من وصف للقصر على مستوى مميز من الدقة و التفصيل أهلته ليكون أحد شخوص الرواية، جاء ذلك، على لسان الراوية (ليلى) التي أعطيت اسم خالتها، وهي إحدى حفيدات صاحب القصر "نعمان البارودي"، من ابنته الصغرى "سامية"، وأيا كانت صلة الكاتبة بالراوية، وبالتالي بالعائلة فإن كثيرًا من شخوص الرواية يقف على الحدود بين الواقع والخيال وفقًا لما جاء في آخر صفحة من الرواية تحت عنوان "ملاحظة ما بعد النهاية" حيث قالت الكاتبة: "هناك على الأقل ثلاث شخصيات في عائلتي تقف على الحدود بين الواقع والخيال: أمي سامية، الخادمة فاطمة، ابنة خالتي المتبناة نورما".
وتضيف إليهم خالتها ليلى وجدها نعمان وتصفهم بالشخصيات المخادعة.
عودة إلى قصر البارودي، فقد برعت الكاتبة في وصف القصر وصفًا تفصيليًا اعتنى بدقائق الأمور، ساعد في ذلك عين الطفولة المُراقِبة المُسَجِّلة لأدق التفاصيل، في ذاكرة لا تزال خالية من مشاغل الحياة، وكون هذه التفاصيل ارتبطت بمؤثرات عاطفية، سلبا كان هذا الارتباط أم إيجابا.
في موقع قريب من الجامع الأموي، يرتفع قصر البارودي محاطا بسور طيني عال، تصفه الكاتبة سترا لما يدور في القصر من صفقات وحكايات أيا كانت طبيعتها، وتسخر من آراء الباحثين وسذاجتهم في تفسير طبيعته الطينية، وتشير إلى الباب الخشبي العالي المصنوع من خشب الأرز وهو المنفذ الوحيد إلى القصر عبر هذا السور ، باب "يعلو ليمر من خلاله الفارس فوق صهوة جواده، ويتسع ليمر من خلاله الجمل بما حمل"، وعلى هذا النحو من التفصيل تتنقل الكاتبة راسمة للقارئ صورا ناطقة بالحياة من أعلى غرفة أو جناح في القصر إلى أقبية التخزين، شاملة كل الغرف والأجنحة وساكنيها، وبعض أسرار الحياة بين جدرانها، نقلتها عبر مشاهد متعددة متتابعة تتلاءم والموضوع الذي يتناوله السرد في كل مرحلة إضافة الى صور للأدراج وانحدارها، والتناسب أو عدم التناسب بين درجاتها، ولم تغفل الظلال وانتقالها في المناطق المكشوفة من القصر مع مضي ساعات اليوم من الصباح إلى المساء، كما لم تُغفِل أيضًا ظلال الأشجار والنباتات المختلفة في فناء البيت بأسمائها وألوانها المتعددة، تفاصيل تهتم بها السيدات وتتفوق في وصفها على الرجال إلا ما ندر، وأقول لمرة أخرى أحاول أن لا أكررها أن هذه التفاصيل تشير إلى مهارة وخبرة مهندسة معمارية.
لم يكن لهذا المكان أن يشكل معلمًا يستحق كل هذه التفاصيل لو لم يرتبط بمجريات الحياة الاجتماعية التي ملأته بالحياة بمسراتها وآلامها، وأسرارها وفضائحها، وما فيها من نجاحات واخفاقات، وآمال تقابلها خيبات أمل، وشخصيات تسيطر وتتحكم وأخرى تلوذ بالصمت، وثالثة مخادعة. وهكذا هي العائلات. وهكذا يكون الحديث عنها بهذه الشفافية وهذه الجرأة والقدرة على التصريح بأنها واحدة من العائلات لها ما لها، وعليها ما عليها، دون أي محاولة للزخرفة والتجميل فكيف تكون الواقعية إذا لم تكن على هذا النحو؟
تتخذ المؤلفة من لقاء الأسرة المتجدد في أيام الجمعة فرصة لوصف أفراد الأسرة الذين يتعدون الخمسين بتراتبهم، وأدوارهم المختلفة وتصرفاتهم تبعا لهذا التراتب خلال لقاء يوم الجمعة الذي كان مستمرا متكررا ما دامت الحياة تدب في أرجاء هذا المكان. وكان للأطباق المتعددة التي تعمر مائدة يوم الجمعة، الباردة منها والساخنة وما يتبعها من الحلويات إبحار في تفاصيل امتدت من حضور موادها محملة على ظهر الجمل في الفجر إلى تعداد لهذه المكونات وربما تفاصيل طريقة الإعداد.
لئن كان قصر البارودي هو الفضاء الأهم، والمنارة التي أضاءت للكاتبة أنوارا على جماليات دمشق وسحر العيش فيها، فإن تفاصيل حياة هذه الأسرة امتدت لتشمل بلاد الشام قبل وبعد نفاذ سايكس بيكو، فامتد المكان ليشمل إضافة إلى سورية كلا من فلسطين، والأردن، ولبنان، وامتد الزمان ليبلغ قرنا أو يزيد، ومن فلسطين ابتداء جاءت "تيتة بسيمة" من عرابة في طريق سلكته مرتين بتباعد جاوز ثلاثة عقود من الزمن، ومع قليل من تفاصيل الطريق التي استغرقت ستة عشر ساعة من دمشق إلى عرابة بالسيارة، فقد خاضت الكاتبة في تفاصيل تصور تداعي أفكار "تيتة بسيمة" واستحضار المواقف من يوم خطبتها إلى يوم زفافها، اليوم الذي وصفته بقدر من الصدق والواقعية باعتبار هذه الصور جزءًا من الحياة وثقافة تفيد الأجيال. ولم تخل الأفكار والمشاعر التي راودتها من مقارنة بين الرحلتين بين عربة تجرها الخيل وسيارة، وبين مرافقة صغيرة نائمة إلى أخت وأم لا يقل قلقهما وتوترهما من الآتي المجهول عن قلقها وتوترها، ومن أم مرافقة إلى أخرى مريضة أمرها في علم الغيب تدركها أو لا تدركها، كل ذلك كان دحرا للمخاوف من لحظة الوصول.
كان زواج "جدو نعمان " و "تيتة بسيمة" لوحة عكست أحد أهم مضامين الرواية حيث طرحت الكاتبة من خلالها الصورة القاسية لتزويج البنات وهن صغيرات ما دام ذلك في خدمة صفقة بين الرجال، أو تمهيدا لصفقة أو لعلاقات تجارية مرجوة مع ما يترتب عليها من المنافع، ولي أعناق الحقائق لتبدو في صالح الفتاة، على أساس أنها نالت عريسا على قدر من الجاه والثراء، ثم يدعي والد بسيمة (كمثال للآباء في ذلك الزمان) أن زواج الفتاة بزوج من هذا القياس ضرورة، بينما رأى أن "ليس مهمًا من يتزوج الرجل!!!"
وفي صورة أخرى مقابلة ومشرقة تتحدث عن نموذج آخر من الرجال متمثلا في والدها بفكره التقدمي النير، تدافع عن سبب اعتقاله وأنه لم يكن لسبب أخلاقي، كما تدافع عنه بحماس، طفولي مستغربة أن يصر الأستاذ على مصير والدها بالرغم من كل الصفات الإيجابية التي عددتها، صادق، مخلص، محب لعائلته، محب للناس ولبلده، كل هذه أسباب لم تقنع الأستاذ المبجل بأن يلقي قدرا من الطمأنينة في قلب طفلة لم تبلغ السابعة من عمرها، وتتناول الكاتبة في هذا السياق نماذج لمعلمين ومعلمات بحاجة لمن يعلمهم التربية قبل أن يعلمهم مهارات التعليم، معلمة تشهر بطفلة نسيت حرفا في درس الإملاء، و أخرى نصبت نفسها كأبي الهول فوق الكرسي وطلبت من البنات رسمها قبل أن يفهمن ما هو الرسم وكيف يرسمن، وفي التقييم لما رسمن تنوعت أساليب العقاب بين الضرب على الوجه إلى العض!! نعم العض ولم أخطئ لا في الإملاء ولا في دقة المعلومة. قصة قديمة؟ نعم... ولكنها حدثت ...وتطرح تساؤلا مشروعا عن مدى تطور التعليم في هذا البقاع من الأرض بين هذا القديم، وبين تربية وتعليم حديثين ينتميان إلى القرن الحادي والعشرين.؟
كان سكان القصر الدائمين وقت سرد هذه التفاصيل هم "جدو نعمان"، و "تيتة بسيمة"، والخالة القوية صاحبة السلطة والنفوذ "ليلى" إضافة إلى الخالة "كريمة"، الخالة الودودة المحبة للأطفال المعنية بتفاصيل حياتهم أثناء وجودهم في القصر كضيوف طالت ضيافتهم أم قصرت، وهي بهذه الصفات العاطفية كانت الحضن الدافئ عندما احتضنت "طفلة القدس- نورما" وتبنتها ودافعت عن موقفها بشدة أمام رفض إخوانها الذكور، إلى أن كان لها ما شاءت، وباتت نورما واحدة من السكان الدائمين في القصر قبل أن يغادره الجمع بعد وفاة الجدين. ولا يكتمل التعداد بدون ذكر العاملات في القصر (ساجدة وغالية وفاطمة) والتي كانت تفاصيل حياتهن جزءا من الحياة التي تدب بين جدران هذا المكان.
تراوحت ألقاب العاملات في القصر وفقا لما كان يستخدمه السكان ما بين الخدم، والعبيد إلى مدبرات المنزل، واعتقد أن الكاتبة لم ترضها هذه الألقاب فوثقت احتجاجها عليها وعلى المبدأ من أصله على لسان فاطمة بشخصيتها المتمردة، كما أجادت إذ أكدت على هذا الرفض على لسان فاطمة، فأي عبيد؟ وأي خدم؟ وقد باتت من خلفات عصور بائدة، وإضافة إلى بيان دور كل منهن ونصيبها من المهام اليومية، فقد أسهم الحديث عنهن في إثراء مضامين الرواية وإلقاء الضواء على جانب هام من حياة الناس في ذلك الزمان، فبدأ من ساجدة التي كانت ضحية لتمادي صاحب القصر في التعبير عن قدراته الرجولية لتحمل بابنها الوحيد سامي الذي سكن القصر حتى سن المراهقة، ثم غادره مع بقائه جزء من القوى العاملة في القصر، ولم يمنع ذلك من إرفاق اسمه مقترنا دوما بصلة القربى "خالي سامي"، وقد بقيت "ساجدة" في القصر بإصرار من سيدة القصر التي شاركتها في كونها الضحية الأخر ى، والتي كان الصمت حليفها بعد أن كان ما كان. أما غالية فقد كانت "هدية الزفاف" التي قدمتها شقيقة نعمان المقيمة في جده، نعم هدية اشترتها من سوق العبيد في جدة وأهدتها لشقيقها، حدث هذا في مطلع القرن العشرين، ثم فاطمة الشخصية المخادعة التي يتعذر على القارئ تخمين موقعها ومواقفها وبين الحقيقة والخيال، هذه الشخصية الغرائبية التي أسهم وجودها تشكيل نهاية مفتوحة للرواية كما سيتضح للقارئ وهو يقترب من نهاية الرواية.
فاطمة الطفلة التي زُوِّجت في سن العاشرة في مستوى آخر للصفقات بين الرجال استغلالا للوضع المادي للأسرة وحاجة شقيقها للعلاج، تتم الصفقة وتتزوج فاطمة، وتصبح أما وهي في سن الثانية عشرة، ثم لا يجدي العلاج نفعا فيموت شقيقها وتعتبر أن الصفقة انتهت وتمضي بطريقة ما إلى قصر البارودي وتنضم إلى الساكنين خادمة؟ لا ... بل مساعدة لمدبرة المنزل، وتثير فاطمة بفرضياتها وتساؤلاتها وحركاتها مخاوف تتعلق بسلامة نورما وتبقى عامل قلق وحيرة في الرواية حتى صفحتها الأخيرة.
وختاما سيدرك القارئ أن قصرا بني في الدوحة بِنيّة صادقة، وبجهود جبارة من نورما لم يتأهل ليكون بديلا لقصر البارودي و إن قاربه في الشبه إلى أبعد الحدود، فلا جامع أموي بالقرب منه، ولا أزقة بأسواقها وروائحها تؤدي إليه، فهذا الكائن لا يعيش في دمشق، و يفتقر إلى "جدو نعمان" و"تيتة بسيمة" وتفاصيل يوم الجمعة حتى أصغرها، لذلك لم يكن هذ القصر جزءا من دمشقها، مرت يوما بأطراف دمشق في طريقها من عمان إلى برمانا في لبنان، مرت محاذرة تبحث في ذاكرتها عن دمشقها التي لم تعد بعد أن خلا القصر من ساكنيه.
عمان



.png)

.png)






.png)

