كانت رائحة المانجا في هذه القصة التي اتخذت المجموعة عنوانها محض خيال ارتسم في السياق السردي ليشكل جزءا من تفاصيل لوحة أجاد المبدع فاروق وادي الذي فُجعنا برحيله فاروق وادي رسمها، عكس فاروق مشهدا من واقع الحياة في القاهرة، ملقيا الضوء على العلاقات التي ارتسمت بين فتاة وشابين في مسرح الأحداث الذي لم يتخط باب الشقة، أو بوابة العمارة في أبعد حد، فيها الكثير من الصور الواقعية الحية، وفيها أيضا بعض خيال ربما تطلبه إبراز معالم الخصوصية التي ميزت هذه العلاقة وتعظيمها، ولإظهار شدة المفارقة التي بلغت أوجها بفعل الأجواء التي سادت بعيد نكسة حزيران 1967، وكيف قابل "ماهر" مبادرة إنسانية من "فطنة"، باعتداء لفظي قاس حاول تبريره بأثر الهزيمة قائلا "حقيقة أننا هُزِمنا،،، هُزِمنا"، ولم يحاول الكاتب تبرير هذا التصرف بل أشبعه إدانة، مشيرا إلى الضرر الذي ترتب على هذه الإهانة ل"فطنة" كما لشريكه في السكن (الراوي) وللقائل أيضا "ماهر"، الذي ما لبث أن شعر بالندم، ولكن الضرر قد حدث،! فأي مسار اتخذته الأحداث بعد ذلك؟
ضمت المجموعة إضافة إلى "رائحة المانجا" أربعا وعشرين قصة أخرى في نحو مئة وسبعين صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن الأهلية للنشر والتوزيع عام 2022. وقد تنوعت القصص في أطوالها كما في مواضيعها، فمن عدد محدود من الصفحات إلى صفحة واحدة، وفي قصص أخرى تكثف المشهد في بضع سطور، لعله ميل نحو القصة القصيرة جدا، كما هو الأمر في قصة "أحد عشر قُبلة" التي بناها الكاتب من أحد عشر مشهدا يتناول "القُبلة" في سياق مختلف يمكن اعتبار كل منها قصة قصيرة جدا. وكذلك كان الأمر في بعض أجزاء القصة المعنونة "أحاديث الجسد "
ويأتي المكان في مقدمة المواضيع التي تناولها الكاتب ضمن هذه المجموعة، مدن متعددة، منها ما تمت الإشارة إليه فقط، ومنها ما كان مسرحا لأحداث بعض القصص، ثم قرى متجاورة تناءت بفعل الحدود، ومخيمات، وبحر، ونهر، وقطار، وزنزانة تضم بَشَرا، وأخرى كان النهر نزيلها، أما سيدة الأماكن "فلسطين" فقد تجلت بين سطور السرد بوضوح، هو ذا يعلن عن انتمائه وعشقه في قصة "مثل قبلة على ظاهر اليد" عندما زار فينيسيا ووجد القطار يصل في محطته الأخيرة إلى البحر: "قطار وبحر، عشقان وحرمانان، لفلسطيني مثلي ولد في خيمة الرحيل، نما وعاش وكبر بعد الضياع ...... "، وفي قصة "الزمن السعيد لساعي البريد" تهلل وجه الفتى الفلسطيني "زهير" بسنواته العشر وهو يقرأ كلمات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التي حملها إليه ساعي البريد، الموجهة له شخصيا مخاطبا إياه "يا أخي" ، كانت الرسالة "تزخر بوعودها الكبيرة، و آمالها العراض بالعودة إلى فلسطين حيث الحب والوفاء والأمل"، و"الرجل الذي كان يمشي بجوار الجدار" عاد إلى فلسطين وما عاد يمشي بجوار الجدار ، ثمة عدد آخر من القصص ضمن هذه المجموعة كان الشأن الفلسطيني محور تفاصيلها.
أشار الكاتب إلى مدن مثل القدس، والقاهرة، والإسكندرية وموسكو و "لينينغراد"، ومدنا أخرى وعواصم لم يسمها، بل ذكر أنها "العواصم البعيدة" ولكنه خص بالذكر فينيسيا مصورا معالمها بريشة فنان بارع، ملقيا الضوء على مواطن كثيرة للدهشة متجاوزا كل التفاصيل المعروفة عن هذه المدينة الأكثر شهرة بمائها، وقنواتها، وجندولها وما تناولها من أعمال في الأدب والمسرح والسينما وتوقف عند التقاء القطار بالبحر. وتحدث الراوي في السياق عن نموذجين من النساء ربط بينهما ربما ليظهر شدة المفارقة بين الموقفين، الروسية التي رافقته في قطار الليالي البيضاء ودعته إلى قمرتها فشاركها الشراب واعتذر عن المبيت، وتلك التي قابلها في القطار بوجود زوجته وابنه، وودعته بقبلة على الخد وأخرى على ظاهر اليد، تلك اليد التي كانت تحمل العصا التي يتوكأ عليها.
إلا أن "المرأة التي مرت بالقرب من مقهى الرصيف" كانت مختلفة فقد وصفها الكاتب على لسان لاعب النرد الذي تجمد النرد في يديه لحظة مرورها قائلا أنها كانت “المرأة الباذخة، وارفة الجسد، شاهقة الجاذبية" ووصف لحظة مرورها “عبرت المرأة المكان بضجيجها الصامت وغمامات عطرها المشاغب"، ولأنه (لاعب النرد) فوجئ بهذا المشهد فقد أطلق تصريحا أرعن عن استعداده لخيانة الأمة مقابل ليلة في صحبتها، عاد قارئ الجريدة الذي كان يجلس في الجوار بصيد ثمين فإلى أين مضت الأمور؟ وماذا بخصوص الشهادات التي جُمعت (رفيق النرد مثالا)؟
في قصة تعب العروس التي مهد لها الكاتب بقول للشاعر الشيلي بابلو نيرودا " ويحدث أن أتعب من كوني بشرا "، لا يتوقف الأمر هنا على المرأة فحسب، بل على تفاعلها وزوجها مع المكان فالقريتين المتجاورتين المتداخلتين التي تعارفا فيها وتزوجا، باتتا تتبعان لدولتين مختلفتين و كما قال الشاعر بن زيدون "أضحى التنائي بديلا عن تدانينا/ وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا" ، ولكنني اختلف مع ابن زيدون فما من تجاف هنا بين الناس ، بل إمعان في التقسيم والعزل وبناء الجدران وتعظيم صعوبات الحياة اليومية، فالقريتان المتجاورتان التي كان أطفالها يتواصلون عبر خيطان تربط بين علب الدخان المربعة، بات المرؤ يحتاج الآن لتصاريح وقطع ألاف الكيلومترات للحصول على الموافقات، ومثلها للسفر بينهما . والاتصال مقطوع لا بالخيط، ولا بالوسائل الحديثة، ولن تتمكن من بث الطمأنينة في قلب زوجها الذي ينتظر في القرية المجاورة على بعد آلاف الكيلومترات.
بنى الكاتب قصته المعنونة أفعى الحلم بقدر من الرمزية، ولكن بدلالات تبدو واضحة إذا ما أمعن القارئ التفكير فيها فهل أوضح من مصطلح التفاوض؟ وكيف يتفاوض المرؤ مع أفعى؟ فإذا أضفنا إليها وصفات شعبية استعان بها الراوي من زراعة الشيح وشرب منقوعه لدرء أذى الأفعى تبين مدى العبث والتهاون في مواجهة الخطر الداهم، (مع ملاحظة أن ثمة أسس علمية للتداوي بالأعشاب غير توصيات العطارين) وهل أكثر عداء من الأفعى في المنام؟ فما معنى استيطان الأفعى للحلم غير التنبيه لخطر الاستيطان الداهم، ولا نزال نيام!
وذلك الرئيس الذي أدرك الخطر المحيق بالنهر، بمائه، وبيئته، وصحة المحيطين به، وإذ يذهب مستطلعا، يفاجأ بوعي ذلك الشاب المستنير وامتلاكه لفكر مدرك للأبعاد، وأظهر تشجيعا لآرائه فدعاه إلى العاصمة، ووفر له إقامة في مبنى بوسط العاصمة يصعب مغادرته، أما النهر فقد أحاطه بأسوار على امتدادات بعيدة على جانبي النهر وبات النهر أسيرا أيضا!
وفي الحديث عن صالات الأفراح فثمة ثلاث خيارات لإقامة احتفالات الزواج بعيدا عن سطوح البيوت في المدينة أو ساحة الحارة، أو السرادق الذي لا يعبأ بالطلاب ولا بدروسهم وامتحاناتهم، ولا المرضى وراحتهم، بعيدا عن كل هذه الخيارات باتت صالات الأفراح خيارا بديلا إضافة إلى فنادق بعدد متفاوت من النجوم، ولا أتحدث عن المزارع فتلك من مخلفات عصر وباء الكورونا.
بعد أن قرأت هذه المجموعة تذكرت أن ثمة خيار آخر يتمثل فيما أسماه الراوي "دار الهداية" حيث يختلف كل شيء هنا، الحضور، والملابس، حتى ملابس النساء في صالتهن البعيدة عن صالة الرجال. معالم الوجوه، وما تصدح به الميكروفونات، حتى الضيافة هنا مختلفة، ولا تسأل عن النظرات العدائية لمن يخالف هذه القواعد، الحكمة المفيدة ان تتسلح بالصبر ما أمكنك ذلك إلى أن يتاح لك التواصل مع زوجتك، والمغادرة، ثم تذهب إلى أقرب محل لتتزود بزجاجة "ستاليشنايا" كما فعل الراوي في القصة المعنونة "ستاليشنايا".
وفي مكان آخر من المدينة في فندق خمس نجوم على الأقل ذهب فريد ببدلته الكحلية وربطة العنق المخصصة للأفراح، لم ينتظر بطاقة الدعوة ولم يغضب لعدم وصولها وبانتظار العشاء
وفي الوقت الذي كان يراقب صبايا وشبابا وربما بعض الكهول يتمايلن ويتمايلون استجابة للنغم أو بفعل كأس من الشراب أو أكثر، إلا أن دويا فجر المكان ذات أمسية من عام 2005 فحرمه من تناول العشاء الأخير. قال الراوي: "الجثة ظلت ملقاة هناك لوقت طويل من دون أن يتعرف إليها أحد..."، وأضاف " جثة رجل غريب، لم يكن قد تناول عشاءه الأخير، أو تلقى دعوة للعرس" واختتم الراوي حديثه قائلا "ولم يغضبه أن أهل العريس أو أهل العروس كانوا قد أسقطوه من قائمة المدعوين".
عودة إلى القصة المعنونة "أحد عشر قُبلة" والتي تتكون من أحد عشر قصة قصيرة جدا مرقمة وتتناول الموضوع من زوايا مختلفة، وقد مهد لها الكاتب بعتبة من أقوال فيكتور هيجو "القبلة هي .... أن نلعق اللهب لعقا"، ويختتمها بجملة تقريرية مفادها "أن القُبلة معنى... القُبلة خطاب" وبين الجملتين ثمة حكايات متعددة عن القُبل؛ اختراعها، والعادات المتعلقة بها، والحرمان منها، والتضحية التي تتطلبها مثل السيدة التي اختنقت في الحمام وأسعفها المنقذ بقبلة سَحبَت الغاز من رئتيها، فمات المنقذ، ونالت الطلاق من زوج لا يعرف مبادئ الإسعاف الأولي.
وبعد كانت هذه "رائحة المانجا" مجموعة قصصية حديثة للراحل المبدع فاروق وادي الذي لم يمكنه المرض ثم الرحيل من مشاركة قرائه الاحتفال بها، لم تكن حديثة في تاريخ إصدارها فحسب، بل بالمعنى الكامل للحداثة والتجديد، في طريقة تناولها للمواضيع، وفي التنوير والفكر الحر الذي برز بوضوح من خلال لوحات مرسومة بجمل خفيفة تكتنفها لغة شاعرية، وتناول ساخر لمفارقات بالغة التأثير عميقة المعاني إزاء مواقف من صميم الواقع.
عمان في 23/10/2022



.png)

.png)






.png)

