ما نؤكّد عليه هو أهمية/دور القراءة الأولى التي تشعل الفتيل الأول في عملية التواصل بين القارئ والنصّ، وهي عملية تفاعل ذات أهمية كبرى، بالذات في المواجهة بين القارئ والنص، هذه المواجهة هي الدافع الأول نحو مواصلة القراءة، أو التوقّف عنها. وبما أننا إزاء قصة قصيرة، لا رواية فإنّ مستهَلّ القصة يجب أن يكون مكثّفا وغنيّا ومشوّقا ومغريا.
أما القراءات الأخرى فتساعد في استجلاء ما لم يُستجل في القراءة الأولى، خاصة وأنّ القارئ سيكتشف أهمية المونولوج المرويّ الذي يتيح للقارئ أن يدخل في عمق الشخصيّة ووعيها، وكشفها أمام المتلقي، ولنا على ذلك عدة أمثلة منها: "كان من عادته أن يخرج في طرقات القرية، وفي مقطع محدّد، حسب تخطيط مسبق كان يدور في رأسه... وكان محمود يتخيّل أحوال الشّبق التي كانت تصيبهنّ عند النوم، وإنْ من باب الوهم، وهن يستدرجنَ أزواجهنّ لمواقعة تأتي بالمعجزات".
هذا الاقتباس أعلاه قد ورد في الصفحة الثانية من القصة يتيح المجال لامتزاج صوتين؛ هما صوت الراوي، "الأنا الثانية"، وصوت البطل، ما يتيح للقارئ أن يدخل في عمق أفكار البطل، وربط ما كان من أحلام مع ما صار من "أوهام"، وربط الأمل بالألم. ما كان ذلك ليتحقّق إلا من خلال تعّدد القراءات، ومتابعة القارئ في التوغّل في ثنايا النصّ وتعرّجاته وأسراره، وهو يحاور أسراره وتقنيّاته التي تساهم في كشف نفسية البطل وما يعتريه من الداخل مثل الاسترجاع والمونولوج والذكريات، ولولا ذلك لما تحقّقت "لذّة النص". (بارت، لذة النص)
يقيني أني لو تابعت القراءة والبحث والتنقيب كنت سأتوصّل إلى دلالات أخرى، لأن النصّ متحرّك وغير ثابت، وليس هذا الأمر مقصورا على هذه القصة، بل هو ميزة كل نصّ غنيّ غير منغلق على ذاته. وأراني أؤكّد مرة أخرى أنّ ثقافة الكاتب جد مهمة، شريطة أن يترك لها العنان لتنطلق وتتحرك بعفوية، وهي فعلا كذلك، وإلا كيف نفسّر التناص مع حكاية آدم وحواء وكرم التين؟ فالتناص لا يعني الاقتباس أو المحاكاة "بل إن التناص يتكون من خلال المخالفة أو المعارضة أو التنافس مع نصوص أخرى، وهذا يعني أن التناصّ يتجسّد من خلال صراع النصّ مع نصوص أخرى". (الماضي، ص185) فهل قصد الكاتب أن ينافس كتابا آخرين تناولوا مثل هذا الموضوع؟ أم أراد أن يأتينا بأسلوب جديد مغاير؟ وهل أراد أن يقول إن نصّي أكثر حداثة؟
إنّ أيّ مبدع لا يضع ذاته في موقع التحدّي ليس بقادر على أن يبدع، وليس بقادر على أن يأتي بما هو جديد. لقد شغل الفضاء القرويّ معظم الروائيين والقاصّين الفلسطينييّن، وهو حقل واسع يتّسع لكثير من الغرس. إنّ المقارنة بين المبدعين لهو أحد الجوانب الهامّة، وهناك العديد من الدراسات التي تناولت هذا الجانب. أما هذه الدراسة فلم تطمح إلى إصدار أحكام نهائيّة لأن هذا الأمر ليس من غاياتها. لكن ما أردنا التأكيد عليه أنّ كلّ كاتب يمكنه أن يدخل عوالم مطروقة شريطة أن يخلق نصّا جديدا قادرا على تثوير نصوص لم تكتب بعد. فكلّ نصّ ناجح هو إبداع مختلف، وكل قارئ هو مخلوق آخر ورؤية أخرى، وكل قراءة هي اكتشاف جديد.
خلاصة
نجحت القصّة في التحرّك من الخاص إلى العام لتعبّر عن قضية كبيرة، وتَحوَّل الحدث من بؤرته الصغيرة الضيّقة إلى فكرة ذات أبعاد تتعدّى الحدث العينيّ، وأصبحت فعلا دالّا على كل خطأ قاتل مؤلم قد يحدث في كل مكان وزمان، إذا استمرّ المجتمع في السير في طريق الجهل. لم تعالج القصة قضية "الطهور"، كما يظهر للمتلقّي في المواجهة الأولى، بل تعدّت ذلك إلى محاربة الجهل. فما حدث من فشل، قبل عقود، قد يتكرّر الآن في القرى والمدن العربية الفلسطينية.
اعتمد الكاتب في هذه القصة الأسلوب التقليديّ في بنائها، وفي موضوعها. يبدأها كعادة الكتاب الكلاسيكيين بالتعريف بالشخصيّة المركزيّة ومواصفاتها، وبتحديد معالم المكان، وعرض الأحداث من خلال راوٍ مشرف كليّ معلق. قام الراوي بعرض مسهب للشخصيّتين المركزيّتين، من ملامح خارجيّة، ثم مهّد البيئة لتتلاءم معهما ومع ما يمور في الداخل، عبر توظيف المونولوج والفلاش باك والذكريات والحوار على أنواعه. رسم بيئة قرويّة فلاحيّة فيها كروم تين جاهزة لستر الحبيبين حين يلتقيان، كما التقى آدم وحواء في الجنّة. وحين تصل الأحداث إلى نقطة الذروة، التي ينتظرها العاشقان والقراء، تتحطّم الأحلام وتتكشّف عورات مجتمع كامل ما زال يتعالج ويتداوى بوسائل بدائيّة.
يتوقع القارئ من كاتب نشر أبحاثا حول الحداثة في الأدب، أن يعالج قضايا تهمّ جيل اليوم، وإذا به يطرح موضوعا تقليديّا، وبأسلوب فيه الكثير من التقليديّة المعهودة في المبنى. ومع ذلك فقد تمكن من تحريك المشاعر من خلال قصة مؤلمة أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال. مما يدل على أمرين: أولا، أن المجتمع ما زال يعاني من نتائج الجهل والتخلّف والتداوي بوسائل بدائيّة، وثانيا، أنّ طريقة الطرح الكلاسيكيّ لم تخلق نصّا كلاسيكيّا جافّا، بل خلقت نصّا غنيّا مؤثّثا في المكان والزمان، بحيث انسجما انسجاما تامّا مع الشخصيّات واللغة التشخيصيّة، في أبعادها، وفي مستوياتها الشعبيّة والشعريّة والمعياريّة. مما جعلها قريبة من أذواق شرائح اجتماعيّة واسعة.
قصة "مقصات وسكاكين من الذاكرة" هي قصة فلسطينية، لا بسبب موضوعها المباشر(الطهور)، فذلك ليس مقصورا على فئة دون غيرها، بل بسبب شخصيّاتها وبيئتها وفضاء القرية الفلاحيّ الفلسطينيّ، وبفضل اللغة التي وظفت في مستوياتها المتعددة. وبالتالي يمكن أن يقرأها العربي المصري والجزائري والسوري، فيرى كل منهم أنها تشبه حكاية وقَع مثيلٌ لها في محيطهم. مع أنها تبقى في عيونهم فلسطينيّة، وهذا هو مصدر قوتها ونجاحها. ولذلك كنت أتمنى على الكاتب لو لم يختر هذا العنوان؛ "مقصّات وسكاكين من الذاكرة" لأنه يحصرها ويسجنها في الجانب النفسيّ للبطل مرهونا بالماضي. لكن ما يشفع للكاتب هو الانطباع النهائي الذي يرافق القارئ بعد الانتهاء من القراءة/ القراءات.
حاولتْ هذه الدراسة أن تثبت أنّ العمل الأدبيّ ليس انعكاسا لواقع اجتماعيّ فحسب، بل إنّ القارئ قادر على أن يكتشف واقعا آخر، من خلال قراءة النصّ قراءة عميقة متأنيّة، وأنّ كلّ قراءة قادرة على كشفٍ جديدٍ، إذا كان النص غنيّا غير منغلق على ذاته. فالغوص في النصّ يخلق عالما أوسع من ذلك الذي يراه القارئ في قراءته الأولى، وبالتالي تتحول من قراءة استهلاكية إلى قراءة إبداعية.
المراجع
إيزر، وولفجانج. فعل القراءة. ترجمة حميد لحمداني، والجيلاني لكدية. فاس: منشورات مكتبة الناهل، 1994.
إيكو، أمبرتو. "القارئ النموذجي". من كتاب نظرية الأدب: القراءة، الفهم، التأويل- نصوص مترجمة. ترجمة أحمد بو حسن. الرباط: دار الأمان، 2004. ص29-49.
باختين، ميخائيل. الخطاب الروائي. ترجمة محمد برادة. القاهرة، باريس: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1987.
بارت، رولان. لذة النص. ترجمة منذر عياشي. حلب: مركز الإنماء الحضاري، 1992.
بارت، رولان. نقد وحقيقة. ترجمة منذر عياشي. بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994.
باشلار، غاستون. جماليات المكان. ترجمة غالب هلسا. ط2، بيروت: المؤسسة الجامعة للدراسات، 1984.
بحراوي، حسن. "مقدمة" من كتاب الفضاء الروائي. تأليف مجموعة من الباحثين. ترجمة عبد الرحيم حزل. الدار البيضاء، بيروت: افريقيا الشرق، 2002.
بحراوي، حسن. بنية الشكل الروائي. بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1990.
بوث، وين. بلاغة الفن القصصي. ترجمة أحمد خليل عردات، وعليّ بن أحمد الغامدي. الرياض: جامعة الملك سعودي، 1994.
جاكوبسون، رومان، وهالة، موريس. أساسيات اللغة. ترجمة سعيد الغانمي. كلمة والمركز الثقافي العربي: بيروت، الدار البيضاء، 2008.
جاكوبسون، رومان. كتاب الاتجاهات الأساسية في علم اللغة. ترجمة علي حاكم صالح، وحسن ناظم. بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2002.
جولدنستين، ج، ب. "الفضاء الروائي"، في كتاب الفضاء الروائي. تأليف مجموعة من الباحثين. ترجمة عبد الرحيم حزل. الدار البيضاء، بيروت: افريقيا الشرق، 2002.
حجازي، مصطفى. التخلف الاجتماعي- مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. ط9. الدار البيضاء، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005.
حمد، محمد. شعريّة البداية في النصّ القصصيّ، "يوسف إدريس نموذجا". باقة الغربية: مجمع القاسمي، 2018.
حمد، محمد. غيبة الغنمة. حيفا: مؤسسة الأفق للثقافة والفنون، 2018.
خوري، الياس. "ملاحظات حول الكتابة القصصية، اللغة- الراوي- الكاتب". من كتاب دراسات في القصة العربية: وقائع ندوة مكناس. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1986.
زيتوني، لطيف. معجم مصطلحات نقد الرواية. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2002.
سابير، إدوارد. "مدخل للتعريف باللغة". من كتاب اللغة والخطاب الأدبي. ترجمة سعيد الغانمي. بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1993.
سروجي، كلارا. نظرية الاستقبال في الرواية العربية الحديثة. باقة الغربية: مجمع القاسمي للغة العربية، 2011.
صالح، بشرى موسى. نظرية التلقي – أصول وتطبيقات. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1999.
العيد، يمنى، "القصة القصيرة والأسئلة الأولى/اللغة/ الأدب/ الأيديولوجيا". من كتاب دراسات في القصة العربية: وقائع ندوة مكناس. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1986.
فضل، صلاح. في النقد الأدبي. دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2007.
كامل، رياض. "مستويات اللغة الروائية في رواية عين خفشة لرجاء بكرية. من كتاب المسايرة والمغايرة – دراسات محكّمة في أدب المرأة الفلسطينية. تحرير وإعداد، محمد حمد، وياسين كتانة. باقة الغربية: مجمع القاسمي، 2019.
لحمداني، حميد. بنية النص السردي. بيروت: المركز الثقافي العربي،1991.
الماضي، شكري عزيز، مقاييس الأدب. دبي: دار العالم العربي، 2011.
مرتاض، عبد الملك. في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد. الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 1988.
هولب، روبرت. نظرية التلقي. ترجمة عز الدين إسماعيل. القاهرة: المكتبة الأكاديمية، 2000.
ياكوبسون، رومان، هالة موريس. أساسيات اللغة. ترجمة سعيد الغانمي. الدار البيضاء، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008.
ياكوبسون، رومان. الاتجاهات الأساسية في علم اللغة. ترجمة علي حاكم صالح، وحسن ناظم. الدار البيضاء، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2002.
Barthes, Roland. 1977. “The Death of the Author”. In Image- Music-Text, Stephen Heath (ed.), New York: Hilland Wang. Pp. 142-148.
Shen, Dan. “What is Implied Author”. Style, vol.45, no. 1 Spring (2011), pp. 80-98.
Wellek Rene, Warren, Austin. Theory of Literature, Harmondsworth: Penguin Books Ltd, 1966.



.png)

.png)






.png)
