"يسوع صغير، ينام ويحلم"| مريم أبو الهيجاء

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لا يُمكن لأيّ معاين لأحداث هبّة أكتوبر -قنديل الانتفاضة الثّانية- أن ينسى ولو قليلًا من مشاهدها المؤلمة المغمورة بروح الثّورة والغضب البركانيّ الجماعيّ الجليل في أرجاء فلسطين.. كلّ فلسطين التي تلاقت جراحها في نفس الكف المخضّب بالهم والدماء، حتّى ولو اشتعل رأسه شيبًا وأصيب ذهنه في "الزهايمر" على المدى البعيد.. لن يخونه وعيه ولا خلاياه الصّغيرة الهشّة في استذكار مأساتنا الجماعيّة الّتي سطّرها التّاريخ وانقلبت حياتنا من خلالها رأسًا على عقب.

كنتُ أبلغ من العمر حينها أربع سنواتٍ فقط، قلّدتُ أبي وأخي في نحيبهما، لعنتُ شارون سفاح شعبنا في صبرا وشاتيلا كثيرًا وأشهرتُ كلماتٍ نابيةً في حقّه، أشتمه بها لاعنة الصّهاينة وجنودهم السّفلة، وهتفت على حدّ قولهم للحريّة والحياة وفلسطين، حتّى أنّني كنت أمسكُ الحجارة وأطلقها نحو الشارع المحاذي للبيت والّذي على أيّة حالٍ كنتُ أكرهه دون أن أدري لماذا...

لا أذكر هذه التّفاصيل بحذافيرها -للأسف الشّديد- فعودتي إلى طفولتي تستلزم جهدًا عظيمًا من الغوص والتّنقيب... كبرتُ سريعًا وبدأ ڤيتامين ذاكرتي بالاضمحلال، ولكنّني أثق اليوم بذاكرة أمّي الّتي سافرت هي إليها وسكنتها دقائق لتعود وتهزّني، وهنتُ في استرجاع الكثير حقيقةً... وما زلتُ أحاول الهروب إلى الماضي وأحداثه رغم قرب الطّريق وبعد الذّاكرة ولكن عزمها كذلك...

سأنسى جزءًا لا بأس به من أيّامي الّتي أعيشها اليوم كما غابت عنّي لياليّ السابقة... ولربّما سأنسى كلّ ما سيأتيني لاحقًا... إلّا أن تغيب صورة محمّد الدرّة الّذي ظلّ يباغتني في أحلامي مرارًا لأستيقظ باكيةً "قتلوه يمّا، شفتِ كيف قتلوه؟"

كان بإمكان الدّرة في الثاني والثلاثين من عمره أن يبني اليوم حلمًا ما في زنازين غزّة قبل أن تخطفه الطلقة من جناح وطنه. قد يكون فلاحًا مغامرًا يلفّ عنقه بالكوفية، يسترق النّظر إلى أرضه المحاصرة غير آبه للمدافع، يحاول أن يتظلّل بأشجارها، يروي جذورها، يربت على ترابها، يبحث عن كسرةٍ من خبزه اليوميّ عالقة هناك.. عند الأسلاك الحدودية الشائكة، ومراده الوحيد أن يعود بحملٍ ما يرسم بسمة على وجنة أطفاله، يلعن الفصائل.. كلّ الفصائل.. يرفس كل العهود التي نقضت، يواجه جيشًا بلا حجر ويكتب على الجدار "حرّيتي لن تموت". قد يكون بيته خيمة قوامها السّتر، وقد يكون مفكرًا قلمه أشد من الكسر.. سيفًا مسلولًا في صدر القهر..

محمّد الدرة ما زال طفلًا يترنّح على درب الآلام، تركناه هناك.. في ذلك العام المفصليّ، أيقونة فلسطينية يسيل جرحها بين طيّات التاريخ مستحضرة نكباتنا.. تلك النكبات الّتي عليها أن تجسر شيئًا من أرواحنا.. أن تمدّ لنا طوق النجاة بالكفاح المشترك. سيتبعني تشبثه بالحياة رغم عصيان الرّصاص، سيلاحقني كتف أبيه العاجز، وسيقتلني ظلّ ذلك الحائط العاري المذبوح حتّى تجتاحني سكرات الموت.. لن أنسى ولو عجّ شارع ذاكرتي، ولن أغفر ولو مدّوا لي سلّمًا إلى الجنة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين