20 عامًا على هبّة أكتوبر: قادرون على حمل الهم العام والكبير|عادل عامر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

نحيي هذه الأيّام الذكرى الـ20 لهبّة أكتوبر، هبّة القدس والأقصى، التي سقط فيها 13 شابًا شهيدًا، من أبناء شعبنا وجماهيرنا، على يد رصاص أفراد الشرطة الاسرائيلية في جريمة جديدة ارتكبتها هذه الشرطة تضاف إلى سلسلة جرائم اقترفتها في تاريخها بحق أبناء شعبنا في كفر قاسم ويوم الأرض وآخرها جريمة اغتيال أبو القيعان وغيره.

وشكّلت الحكومة في أعقاب هذه الجريمة لجنة تحقيق رسمية برئاسة القاضي ثيودور أور، وقدّمت توصياتها بعد 3 سنوات، لتقرّ بأنّ "الشرطة الاسرائيلية أطلقت النّار بشكل غير قانوني، واستخدمت العنف المفرط بحق المتظاهرين، الذين لم يشكل أي منهم خطرًا مباشرًا من شأنه أن يستدعي الشرطة إلى إطلاق النار وخاصة من قبل قناصين، استخدمتهم الشرطة لأوّل مرة ضد المتظاهرين".

بعد عشرين عامًا ومن خلال التجربة التاريخية لجماهيرنا ثبت بالوجه القاطع أن لا الشّرطة ولا السّياسة الحكومية تجاه جماهيرنا قد تغيّرت، وقتل يعقوب أبو القيعان في أم الحيران قبل عدّة سنوات بيّن بشكل صارخ التآمر بين مختلف المركبات والمستويات الحكومية من شرطة، النائب العام، قسم التحقيقات في الشرطة والمستشار القضائي للحكومة، لطمس معالم الجريمة بل وأكثر من ذلك وهو إلصاق التهم بالضحية ونسب صفات إرهابية وإجرامية لها.

هذا التآمر يثبت بشكل جليّ مدى الاستهتار ومدى عمق التّعامل الفاشي مع الأقلية القومية العربية الفلسطينية في ما يسمّى الدولة العميقة ومؤسساتها التي من المفروض أن تحتكم إلى أسس الديمقراطية والعدالة والإنصاف والقانون في حالة جنوح الطبقة الحاكمة نحو ممارسة سياستها القمعية والعنصرية والفاشية وتطبيق برامجها السياسية.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي الوجودي لجماهيرنا العربية في هذه البلاد، وهو غياب الرادع الأخلاقي والقانوني والسياسي في كافة مستويات الدولة ومؤسساتها بحيث تتناغم في التآمر على قضايا شعبنا وجماهيرنا وتطبيق سياسات في جوهرها عنصري واقتلاعي.

 

هبة أكتوبر والعنف المجتمعي

ومثال آخر على نهج الشرطة مع واقع جماهيرنا، وهو تعاملها مع الجريمة في مجتمعنا العربي ويخطئ من يعتقد أن هذا التعامل منفصل عن استنتاجات حكومات اسرائيل من هبة كتوبر عام 2000، بل وأكاد أقول ان هذا التعامل هو السياسة غير المعلنة لهذه الحكومات وشرطتها من هذه الهبة.

وحسب معطيات مركز "أمان" لمناهضة العنف والجريمة في المجتمع العربي التي زوّدنا بها مدير المحامي رضا جابر فإنه:

أوّلًا: من سنة 2000 قتل على يد الشرطة نفسها 63 شخصًا.

ثانيًا: منذ سنة 2000 قتل 1485 شخصًا نتيجة العنف والجريمة في مجتمعنا العربي.

هذا الرقم الخيالي لضحايا العنف المجتمعي يثير الكثير من التساؤلات. وهذا التساهل في عدم مقاومة انتشار السلاح غير المرخص والتسهيلات للحصول على سلاح مرخص أيضًا، يجعلنا نتساءل ما الذي حصل؟

من الواضح أن تغييرًا جوهريًا طرأ على السلطة في ماهية تعاملها مع السلاح في المجتمع العربي، فقد كان هذا التعامل تاريخيًا يعتبر تعاملًا سياسيًا أمنيًا صرفًا ويشكل تهديدًا وجوديًا على أمن اسرائيل.

أما الآن فقد ألغت اسرائيل هذا التعريف وأصبح التعامل معه جنائيًا، وبالتّالي فإن هذا السلوك المعتمد تجاهه يحتل مرتبة متأخرة في مقاومته والحدّ منه. وإذا كان هذا السلاح يساهم في تهديد الأمن المجتمعي بحيث يصبح جلّ اهتمام المواطن العربي هو أمنه الشخصي والفردي، ويبعده عن الاهتمام بالشأن العام وبالقضية السياسية فإن الهدف قد تحقق بفعل العوامل الداخلية التي يبدو وكأنّ للسلطة وأذرعها لا سيطرة لها عليه، وعلى المواطن العربي الفلسطيني والمجتمع العربي التوسّل إلى السلطة وأذرعها المختلفة من أجهزة الأمن لتوفير الحد الأدنى المطلوب لأمنه الشخصي والفردي.

 

العنف لا ينتشر من تلقاء نفسه

للعنف خلفيّات اقتصادية، اجتماعية وسياسية واضحة، وللعنف أيضًا أهداف سياسية في سياق أية أقلية قومية أو عرقية، اذ يصبح المبتغى من السّماح بانتشار العنف والجريمة سياسيًا بامتياز، بحيث يجري سحب البساط من تحت المطالبين برفع سقف المطالب السياسية والاقتصادية بهدف تحقيق المساواة القومية والمدنية وإرجاعهم للمربع الأوّل وهو ترتيب البيت الداخلي وإعادة جدولة الأولويات المجتمعية. بل وأحيانًا الإشارة إلى عجز هذا المجتمع عن معالجة قضاياه الأساسية والبديهية وأعمقها الأمن الشخصي والفردي، وبالتالي الاستنجاد بالشرطة ومؤسسات الحكم هو الحل والمفر الوحيد أمام هذا المجتمع، وهذا بالضبط ما يريدون لجماهيرنا ولشعبنا أن يلجأوا إليه.

ما يعني أن هنالك مصلحة كبيرة من انفلات العنف المجتمعي والجريمة وخاصة بعد أكتوبر 2000، الذي تجلت فيه أوسع معاني النضال والكفاح والدفاع عن المشترك والموحد والجامع، والّذي توّجت فيه أرقى مجالات التضامن مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقّه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية بكافة مقدساتها الاسلامية والمسيحية.

 

ما بين الفردانية والجماعية

نحن نعي جيّدًا اننا نعيش في مجتمع طبقي رأسمالي غارق حتى أذنيه في الفردانية والليبرالية المفرطة. وهذا الانغماس ليس اقتصاديًا فحسب فهو أيضًا مجتمعيًا بحيث يجري تغليب مصلحة الفرد على المصلحة المجتمعية العامة، يجري إعلاء شأن مكانة الفرد بدلًا من الجماعة، كما يجري تقديس الأنا الفردية مقابل النَحنُ الجماعية.

هذا الأمر يحتم علينا رعاية الوحدة الكفاحية لجماهيرنا العربية ضمن أطرها الوحدوية، لجنة المتابعة والقائمة المشتركة، لأنها الضمانة لنجاح معركة البقاء في الوطن.

هذه الوحدة يجب أن تكون مبنية على أسس العمل الجماعي وتوحيد القوى والجهود والإمكانيات وتكريسها من أجل تعميق وجودنا الجماعي. وهذا الوجود يجب أن يتعزّز بتعميق الشراكة اليهودية العربية المبنية على أسس كفاحية ونضالية واضحة، لكي نقطع الطريق عمّن يريد عزلنا وتهميشنا وتحييدنا عن المشاركة في صنع مستقبل هذه البلاد.

 

هل نحن قادرون؟

نعم نحن كذلك، ويجب عدم الاستهانة بقدرتنا على صنع التغيير والتأثير على صنع مستقبل آخر لهذه البلاد. ويجب عدم الاستهانة أيضًا بقدرتنا على اسقاط مخططات كبرى تحاك ضد شعبنا بما فيها صفقة القرن.

في أعقاب يوم الأرض الخالد الأول في 30 آذار عام 1976 تبنت اسرائيل "وثيقة كينغ" العنصرية والتي أصبحت المرجع الحكومي الأوّل للتعامل مع جماهيرنا وشعبنا، والتي جاءت بالأساس لضرب المشعل الرئيسي ليوم الأرض وهو حزبنا الشيوعي. ولكننا استطعنا تجاوز هذه الوثيقة وإفشالها. ونحن على دراية ان المؤسسات الحكومية المختلفة أعدت الكثير من الوثائق والسياسات لتدجين جماهيرنا بمختلف الوسائل ولكننا أيضًا على ثقة أننا نستطيع تجاوز هذه المخططات.

ومثلما أبدعنا في خلق مؤسساتنا الوحدوية بعد يوم الأرض الخالد، استطعنا إضافة مساهمة أخرى لهذا العمل الوحدوي متمثلًا بالقائمة المشتركة، آخذين بعين الاعتبار التنوع السياسي والفكري في مجتمعنا، وان ما يجمعنا مصلحة شعبنا وجماهيرنا في اسقاط اليمين وسياساته، تلك المتعلقة بنا وبجماهيرنا وتلك التي تحاك ضد شعبنا الفلسطيني وفي صلبها صفقة القرن.

 بعد 20 عامًا على هبة أكتوبر والقدس والأقصى ثقتنا بأنفسنا عالية، ورغم سوداوية المشهد وصعوبته، الا اننا قادرون على حمل الهم العام السياسي الكبير.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين