أيّ حفيدي!
نادرًا ما كان النّاس يوقّعون في الزّمن الغابر، زمن آبائنا وأجدادنا، على تعهداتٍ وثائقَ اللّهم إلّا شهادات الزّواج وتسجيل قطع الأرض في الطّابو، فقد كانوا يشترون ويبيعون ويستدينون بكلمة شرف فقط لا غير. يقول الشّخص الأوّل للثّاني: "هاتِ يدك!" فيمدّ ساعده فاتحًا راحته فيصافحها الأوّل ضاربًا كفًّا بكفٍّ ويقرأان الفاتحة ويمسحان وجهيهما براحاتهما.
هي كلمة شرف أقوى من أيّ وثيقة ورقيّة، تنطلق من لسان الرّجل، والرّجل يربطه لسانه لا قدمه ولا ساقه ولا عنقه. الرّجل مربوط بكلمةٍ لا بلجامٍ أو برسنٍ هكذا كانوا يقولون وهكذا كانوا يتعاملون.
يقول الرّجل بكرامة وبعزّة: قلتُ كلمةٍ أو أعطيتُ كلمةً وأنا أحترم كلمتي لأنّ كلمتي هي أخلاقي وحاضري ومستقبلي، كلمتي هي وجودي.
يروي الكاتب اللبنانيّ العروبيّ مارون عبّود في مقالة جميلة له أنّ رجلًا قرويًّا لبنانيًّا إستدان مبلغًا من المال من رجل من بلده ذي نعمة فاشترط عليه الدّائن أن يعطيه شعرةً من شاربه رهينة حتّى إعادة المبلغ فتضايق الرّجل من هذا الطّلب الثّقيل، ولكنّ الحاجة أرغمته على ذلك فقلع شعرة من شاربه وقدّمها للمدين راجيًا منه أن يبقى الأمر سرًا بينهما لأنّ شعرة من شاربه تعني شرفه كما توسّل إليه أن يحفظها في مكان نظيف يليق بها.
لا دائنً في أيّامنا يطلب شعرةً من شاربيّ مدين، ولا مواطن يطلبها من رئيس، ولا ناخب يطلبها من نائب في البرلمان فكثير من النّاس في أيّامنا حفوا شواربهم وتطاير شعرها في الفضاء وسقط في أمكان شتّى وربّما لاختفاء الشّوارب استعاض النّاس عنها بالتّوقيع خطيًّا على أوراق. والنّاس أجناس فهناك رجال ونساء يحترمون تواقيعهم ويحمونها مثلما كان الآباء والأجداد يحترمون شعر شواربهم وشرفهم، وهناك أناس متلوّنون يقولون: لا شيء أرخص من الحبر سوى الورق، وأمّا تجّار الكلام وسماسرته فيزعمون أنّ الكلمة لا تقدّم ولا تؤخر، وأنّ الشّعرة من الشّارب سوف ينبت بعد قلعها شعرات، وأنّ التّوقيع هو حبرٌ على ورق ولا قيمة للحبر وللورق منذ صارت الصّحف الواسعة الانتشار توزّع على القرّاء مجّانًا.
تكمن الأخلاق في حروف الكلمة، وفي بُصَيلَة الشّعرة وفي حبر التّواقيع، فالكلمة هي الخُلُق والشّعرة كانت هي الخُلُق والتّوقيع هو الخلق وشعبنا والحمد لله كان وما زال على خُلُق ولن يصرخ: واشرفاه!!!
وإرادة الشّعب من إرادة الله، والله يُمهِلُ ولا يُهملُ!!
