نشاط احتجاجي في مئوية بلفور المشؤوم
تتضمن هذه القراءة القانونية لإعلان بلفور مناقشة شرعيته القانونية وآثاره وما يترتب على بريطانيا من مسؤولية واعتذار للشعب الفلسطيني. إذا اطلعنا على الادبيات القانونية التي تناولت اعلان بلفور 2 نوفمبر 1917 فنجد بالأساس موقفين:
الموقف الأول، الإعلان لا يملك أي قيمة قانونية كون بريطانيا لا تملك السيادة على فلسطين لتمنحها لشعب آخر غير شعبها الأصلي. وادخال هذا الإعلان في صك الانتداب في تاريخ 24/07/1922 لا يجعله قانونيا كونه بالأصل غير قانوني. عبّر عن هذا الموقف المحامي الفلسطيني القدير هنري قطان الذي اعتبر ان لا شرعية إسرائيل تستند على لا شرعية النصوص: اعلان بلفور، ادماجه في صك الانتداب، وقرار التقسيم (كتابه فلسطين والقانون الدولي 1976).
الموقف الثاني، كما عبر عنه الكاتبان Thomas and Sally Mallisonفي كتابهما "القضية الفلسطينية في القانون الدولي والنظام الدولي" 1986، هو ان الإعلان ذاته قانوني بحجة أنه اعتمد فيما بعد في صك الانتداب ونال موافقة المجتمع الدولي في حينه، أي انه أصبح بمثابة عرف ملزم في القانون الدولي. ومن هنا، أصبحت مناقشة فحوى هذا الإعلان هي المهمة وليس الإعلان ذاته كفعل دبلوماسي اومسألة قانونيته. فحوى هذا الإعلان يتضمن نقطتين أساسيتين: "بيت قومي للشعب اليهودي" و"التزام تجاه الحقوق المدنية والدينية لغير اليهود". ويمكن ان نرى في مواقف وزير خارجية بريطانيا الحالي Boris Johnson امتدادا لهذا الموقف، حيث صرح في جريدة Daily Telegraph ، بمناسبة مرور مائة عام على الإعلان، انه تم إساءة تفسيره بالإشارة الى اهمال النقطة الثانية في الإعلان الخاص بالالتزام تجاه غير اليهود. كما أوضحت وزيرة الخارجية "حكومة الظل" (المعارضة) Emily Thornberry ان هذا الإهمال لا بد وان يصحح من خلال ترجمة الالتزام تجاه الحقوق المدنية والدينية لغير اليهود بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.
هذا الجدل بين الموقفين أعلاه يقودنا الى ضرورة فحص تطبيق القانون الدولي Intertemporal Law في حينه وهل يعطي شرعية لفعل الإعلان كفعل دبلوماسي؟ هل مسألة اللاشرعية "لبيت قومي للشعب اليهودي" تتوقف على لا شرعية فعل الإعلان ام انها ترتبط باحترام الالتزام تجاه الحقوق المدنية والسياسية لغير اليهود؟ وبكلمات أخرى، هل عدم الالتزام بحقوق غير اليهود تفقد الشرعية لإقامة بيت قومي للشعب اليهودي في فلسطين؟
قبل البدء بفحص تطبيق القانون الدولي على شرعية الإعلان، نود التنويه ان لجنة بيل التي عقدت في العام 1937 تطرقت في نقاشاتها الى فحوى الإعلان ووصلت الى النتيجة ان هذه الفحوى تعطي الحق والشرعية لحكم ذاتي للفلسطينيين. هذه النتيجة يمكن ان تقرأ اليوم كاعتراف بالدولة الفلسطينية او الاعتراف بالحقوق السياسية للفلسطينيين في الداخل.
وبالعودة الى فحص تطبيق القانون الدولي، ففي هذا السياق، لا بد من "مقاربة جنوبية او مقاربة قطيعة" تجاه القانون الدولي في حينه. ما اقصده ان قراءة الإعلان يجب ان تكون قراءة نقدية للقانون الدولي وليس قراءة ضمن القانون الدولي. ذلك ان القانون الدولي ذاته في تلك المرحلة لم يكن الا قانونا استعماريا وما اعلان بلفور الا امتداد لهذا القانون الدولي الاستعماري، الذي سيطر في نهاية القرن التاسع عشر وجسد موقف الدول الأوروبية التي اعتبرت ذاتها دولا ذات سيادة بينما الشعوب غير الأوروبية لم تكن الا خاضعة وموضوع تطبيق وتصرف لهذه السيادة.وتأكيدا لهذه القراءة نرى ان فحوى الإعلان ذاته يرتكزعلى عناصر مفهوم الكولونيالية، أهمها امتيازات المستعمرين والتي تسمح لاحقا بالسيطرة على المصادر الطبيعية. تمثلت هذه الامتيازات بمنح المستعمرين الحقوق السياسية ضاربة عرض الحائط بحقوق أصحاب هذه البلاد.
استنادا على اعلان بلفور، بدّل الصهاينة القادمون الى ارض فلسطين المستعمرين الأوروبيين، وامتلأت بلاد فلسطين بمستعمرين جدد منهم. هذا التبديل كان موضع ترحاب عند الأوروبيين لاستمرار سيطرتهم واستعمارهم لمنطقتنا. هنا، وقد رأى أحد مصممي العلاقة البريطانية العربية في حينهPhilippTracy في مقالة له في مجلة "السياسة الخارجية" الفرنسية 1937 بان "وجود الحركة الصهيونية كان مصدر تفاؤل للمستعمرين الأوروبيين كون المنطقة خلت في حينه من انجليز وفرنسيين "لنشر الحداثة الأوروبية والأفكار اللبرالية". يجد هذا الموقف صدى له حتى يومنا هذا عند Bernard Lewis المتخصص في تركيا والإسلام الذي اعتبر انه لولا وجود إسرائيل لعرف الغرب وامريكا فيتنام عربيا.
مقاربة نقدية للقانون الدولي تعيدنا الى ما مثلته الحرب العالمية الأولى من تحول فكري في ماهية القانون الدولي حيث انه نادى "باسم الحضارة، بإلغاء تام وابدي لكل المناهج الاستعمارية التي تتعارض مع الوجود والرفاهية والرقي التدريجي للشعوب الاصلانية" (انظر موقف اهم فقهاء القانون الدولي Anzilotti الذي شارك في مؤتمر السلام في باريس 1919 كعضو في الوفد الإيطالي وفي اللجنة الدولية للمؤتمر). كما وجعلت الحرب العالمية الأولى من القانون الدولي حدثا بحد ذاته لآنه اعطى مجالا لولادة تجارب اجتماعية سياسية جديدة كما التحرر الوطني للشعوب الاصلانية ولم يبق القانون لاهثا وراء الاحداث انما خالقها كما ذكرنا سابقا (انظر المفكر الفرنسي Claude Lefort).
فكريا، يتعارض اعلان بلفور تعارضا تاما مع هذه الأفكار التحررية ومع نظام عصبة الأمم.
الادهى من ذلك، انه حتى لو تجاهلنا للحظة التحولات الفكرية في زمن الحرب العالمية الأولى والقراءات النقدية أعلاه، فانه على المستوى القانوني المحض، لم يكن اعلان بلفور الا تحايلا وانتهاكا لنظام الانتداب. وذلك لأن ما يجب التركيز عليه هو في نظري ليس الإعلان بحد ذاته انما مسألة إدخاله عام 1922 في صك الانتداب والتعارض الناجم عن ذلك بين مواد القانون السائدة في حينه كما سأبين فيما يلي: من الناحية القانونية البحتة (مبدأ القانونية) هناك تعارض بين مادة 22 من نظام عصبة الأمم 1919 وإدخال اعلان بلفور في صك الانتداب 24/07/1922، وذلك لأنه حسب مادة 22 مُنحت الشعوب التي خضعت للحكم العثماني مكانة قانونية تشير الى جاهزيتها للاستقلال ودور الانتداب لم يكن الا دورا اداريا لتحضير هذه الشعوب، بما فيها الشعب الفلسطيني، الى الاستقلال الوطني. هذه المكانة القانونية تم الإشارة اليها بتعريف أقاليم الدولة العثمانية بانها أقاليم (أ). تمثل هذه المادة اعترافا دوليا بالشعب الفلسطيني ويصبح ادخال اعلان بلفور في صك الانتداب في العام 1922، ثلاثة سنوات بعد وضع نظام عصبة الأمم، بمثابة انتهاك على نظام الانتداب.
بالنسبة للإجماع الدولي الذي شكل مركبا آخر في إعطاء الشرعية لإعلان بلفور والذي عبّر عنه Martin Kramer ، (وهو من افضل من كتب عن اعلان بلفور في الجانب الصهيوني) بقوله ان الإعلان حتى وان كان مجرد اعلان نوايا الا انه عبّر عن اجماع دولي ولذا فهو مشابه في فعاليته بقرار مجلس الامن. فانه من الملائم الرد عليه بان القانون الدولي هو ليس ما يحدده الغرب او الإمبرياليون. وحتى وان تمّ ادخال اعلان بلفور في صك الانتداب على يد مجتمع دولي يتكون بالأساس من الدول الأوروبية المستعمرة فان هذا الادخال لم يستند الى معايير القانون الدولي. اما بالنسبة لتشبيه الاجماع الدولي بقرار مجلس الامن فقد يكون ذلك صحيحا ولكن مجلس الامن هو مؤسسة جيوسياسية ليست حارسة بالضرورة على تطبيق القانون الدولي. في اعتقادي، ان كان هناك شيء جيد ساهمت به الحرب الباردة وانعكس في عمل مؤسسات الأمم المتحدة فهو يكمن تحديدا في شل عمل مجلس الامن ليتسنى لمؤسسات مثل الجمعية العامة ان تعمل وان تساهم في تطوير قانون دولي تحرري.
** معنى الحكومة البريطانية بتقديم الاعتذار
القراءة القانونية لإعلان بلفور لا بد وان تتطرق الى الآثار القانونية الناجمة عن اعتباره فعلا غير شرعي وفي هذه الحالة نتساءل ماذا تعني مطالبة القيادة الفلسطينية الحكومة البريطانية بتقديم الاعتذار؟
في الإجابة على هذا السؤال قد نصطدم ثانية بالادعاء بضرورة الالتزام بالقانون الدولي السائد في حينه Intertemporal Law في العام 1917الذي يشرعن اعلان بلفور ويلغي ضرورة الاعتذار لكن هذا الادعاء لا ركيزة له في الممارسة الدولية. ذلك ان في مساءلة الدول الاستعمارية عن جرائم ارتكبت بحق الشعوب الاصلانية لم يؤخذ بالاعتبار القانون الدولي السائد في حينه انما تجاوزته لصالح تطبيق معايير عادلة معاصرة. على سبيل المثال نذكر ما حصل في محاكمة النظام النازي في نورمبرغ 1945 حيث اعتمدت جرائم ضد الإنسانية ضد القيادة النازية والتي لا يوجد لها ذكر في القانون الدولي وانما أقرّت في نظام محكمة نورمبرغ ذاتها.
من المهم ان نعي هنا ان الاعتذار هو مسألة جماعية ودولية لها اثار قانونية، ولا تتسم بالشخصي انما بالعام. وفق القانون الدولي المعاصر، فان الاعتذار يثير مبدأ مسؤولية الدولة. وقد وضحت المحكمة الدائمة للعدل الدولي التابعة لعصبة الأمم في قرارهاChorzow Factury 1927(قضية بين المانيا وبولندا) معنى هذا المبدأ بتأكيدها ان الدولة مسؤولة عن أي ضرر سببته لدولة أخرى وعليها تصحيح الضرر نفسه او تعويض الدولة المتضررة ماديا. وفيما يخص الاعتذار فقد تم ذكره وبوضوح في مادة 37 من مشروع مواد قانون مسؤولية الدولة 2001 حيث تم الإشارة الى ان الدولة المسؤولة عن ضرر لدولة أخرى عليها ارضاءها من خلال تصحيح الوضع او/والإقرار بالانتهاك او/والتعبير عن الأسف او/والاعتذار الرسمي. لا بد من التنويه ان مواد مشروع قانون مسؤولية الدولة هي مواد عرفية وعليه فانها ملزمة للدول جميعا وافقت عليها ام لم توافق.
عرفت سنوات التسعينات ممارسة واسعة للاعتذار في العلاقات الدولية ويمكن ذكر ما يلي:
1- اعتذار للشعوب الاصلانية التي خضعت للاستعمار الاستيطاني مثل "الهنود الحمر". ترافق هذا الاعتذار مع اتفاقية حقوق الشعوب الاصلانية 1994 التي كرسها نضال هذه الشعوب منذ سنوات السبعينات واتى بتعديل دستوري في بعض الدول والذي سمح فيما بعد ببروز قيادة وطنية من السكان الاصلانيين.
2- اعتذار للشعوب التي خضعت للتجربة الاستعمارية غير الاستيطانية كما في حالة مناضلي Mau Mau في كينيا الذين حاربوا الاستعمار البريطاني والذين تقدموا بشكاوى على التعذيب من قبل القوات البريطانية في تلك الفترة وقد وافقت محكمة مركزية في لندن بتعويضهم في العام 2009 كما انه جرت مفاوضات لإرضاء آخرين دون العودة الى المحاكم. أيضا نذكر اعتذار هولندا الدولة المستعمرة عن جرائم قواتها في العام 1947 في إقليم Rawagede في اندونيسيا الذي تمّ بعد تقديم مجموعة من الشكاوى من قبل سكان هذا الإقليم الى محكمة هولندية. وأخيرا نذكر اعتذار إيطاليا للشعب الليبي وابرام اتفاقية الصداقة والشراكة والتعاون بين ليبيا وإيطاليا حيث قدمت إيطاليا خمسة مليارات دولار امريكي كتعويض لكن على شكل استثمار في البنية التحتية الليبية، وذلك في تاريخ 30/08/2008.
3- اعتذار عن دعم حكومات يمينية من قبل الولايات المتحدة ونعني في هذه الحالة اعتذار الرئيس الأمريكي كلينتون في العام 1999 في غواتيمالا عن دعم بلاده للحكومة اليمينية التي كانت وراء قتل عشرات الآلاف من الثوار والهنود المايا في حرب أهلية استمرت 36 عاما.
في الحالة التي تتناولها هذه المداخلة فان الاعتذار امر حتمي لا بد منه عاجلا ام آجلا. وبالفعل على ارض الواقع تشير التطورات الأخيرة في الموقف البريطاني ان هناك محاولات لإعادة تفسير إعلان بلفور بمعنى تحويل اللامرئي الى المرئي أي تحويل الالتزام بالحقوق المدنية والدينية لغير اليهود الى اعتراف بالدولة الفلسطينية. هذا السعي للاعتراف بالدولة الفلسطينية قد يعد من قبل البعض كنوع من الاعتذار لكنه بكل الاحوال لن يكون كافيا بنظرنا للأسباب التالية:
أولا، لا يمكن حصر النكبة في احداث 1948 ولا يمكن لبريطانيا ان تخفي مسؤوليتها من خلال امتناعها عن التصويت في الأمم المتحدة بخصوص قرار التقسيم 1947. على بريطانيا ان تعترف ان 1922هي النكبة كما يقول المؤرخ جورج انطونيوس. وأنها تتحمل مسؤولية فصل فلسطين عن سوريا (فلسطين هي إقليم سوري من الإمبراطورية الرومانية وحتى الإمبراطورية العثمانية) وكل ما يعنيه هذا الفصل من اضعاف فلسطين من جهة والتمهيد لتنفيذ فكرة وطن قومي لليهود في العام 1922 تحت الانتداب البريطاني.
ثانيا، على بريطانيا الاعتذار ليس فقط على الفعل (المعبر عنه بإعلان بلفور على الورق وبفصل فلسطين عن سوريا على ارض الواقع) وانما عن عدم تحريكها ساكنا وتجاهلها لتداعيات بلفور (عدم الفعل) عاما بعد عام وصولا الى يومنا هذا.
ثالثا، لا يجوز في مسألة الاعتذار ان تغض بريطانيا الطرف عن طول فترة الغبن التي لحقت بالشعب الفلسطيني منذ صك الانتداب حتى اليوم، ولفترة تجاوزت المائة عام، ولا عن اعداد الفلسطينيين والاجيال المتعاقبة التي عانت من استمرار هذا الغبن.
من منطلق العدالة الانتقالية التي تشمل أدوات عديدة منها المصالحة والحقيقة فان تطبيق هذه العدالة على الصراع لا يمكن ان يقتصر على المصالحة التي يدخل من ضمنها الاعتراف بالدولة الفلسطينية. انما واجب على بريطانيا السعي وراء الحقيقة والتي تتطلب الاخذ بعين اعتبار معاناة ومأساة الشعب الفلسطيني. المطالبة بالاعتذار اذا هي مسألة مهمة لأنها تثير مسؤولية بريطانيا دوليا تجاه مأساة وكارثة الشعب الفلسطيني. ولكن كيلا يقتصر الاعتذار على الجانب الرمزي دون أي التزامات مادية مثل اعتذار كلنتون لغواتيمالا، من الضروري ان يرافقه التزامات مادية لتخفيف مأساة الشعب الفلسطيني وبالتحديد اللاجئون أيضا مساهمة فعلية وفعالة في إيجاد حل في قضية عودة اللاجئين.
)كلمة ألقيت في نادي حيفا الثقافي بمناسبة اشهار كتاب د. جوني منصور "مئوية تصريح بلفور (1917-2017): تأسيس لدولة، وتأشيرة لاقتلاع شعب" 2017. تاريخ 23/11/2017(
