شهدت مدينتا الطيرة والطيبة وغيرهما من البلدات العربية في الأيام الأخيرة، مهرجانات شعبية بمناسبة شهر رمضان المبارك. وتؤكد مشاركة الآلاف المؤلفة على نجاح المهرجانات، وتعطش الجماهير الواسعة لمثل هذه البرامج الشعبية، التي تخلق أجواء اجتماعية ايجابية، في مجتمع أنهكته الأوضاع الاقتصادية المتردية، وانتشار الآفات الاجتماعية، وأولها العنف. إلا أن هذا المشهد الانساني لم يرق لمقاولي التكفير، الذين راحوا يهاجمون ويكفّرون، وسط صمت مطبق من قوى كان مطلوب منها تصرفا آخر.
والمهرجانات التي تابعناها، حملت أيضا أجواء رمضان الدينية والشعبية الجماهيرية، من أسواق تسوق وبرامج ثقافية وفنية وتراثية، خلقت أجواء من الفرح والارتياح الشعبي العام، وصهرت أهل البلد الواحد وضيوفه من البلدات المجاورة، وساهمت ايضا في تنشيط الحركة الاقتصادية، في ظل حصار بلداتنا اقتصاديا أيضا. وهذه ظاهرة جديرة بالتشجيع.
يحمل شهر رمضان الكثير من المعاني الدينية للجماهير المؤمنة؛ ولكن على مر العصور، ونظرا لطبيعة الحياة اليومية للشهر الفضيل، حمل معه أيضا تراثا شعبيا، لدى كل واحد من الشعوب. وهذا تراث تراكمي من جيل الى جيل، بدأ في الأجيال السابقة، التي من الممكن اعتبارها محافظة أكثر، ولكنها كانت على طبيعتها الشعبية. وهذا التراث لم يقتصر على مائدة الطعام، بل يشمل أيضا تراثا ثقافيا وفنيا وترفيهيا متنوعا، وكل هذا الى جانب الفرائض الدينية.
في تلك الأيام، كما يبدو، لم تكن صناعة التكفير "مزدهرة" كما في أيامنا، ولم يكن مكان لصناعة التشنج، وصناعة الاكراه الديني. أما اليوم، فكما يبدو أن في بلداتنا هناك من يستهويه حريق الدول العربية بنيران العصابات التكفيرية، ويريد نقل تلك الأجواء إلى شارعنا، حتى بثمن تكفير مئات الألوف من جماهير شعبنا، التي ترفض قطعا هذا الخطاب المتشنج.
لقد وصلت حملات التكفير الى حد التهجم على الناس والمس بسمعتهم الأخلاقية، وشهدنا انفلاتا خطيرا في شبكات التواصل الاجتماعي، وصل الى مستويات خطيرة، ولا نبالغ القول إن في بعضها تحريضا دمويا خطيرا.
إن رص صفوف مجتمعنا أمام التحديات التي يواجهها، منها أن يكون قادرا على استيعاب التعددية، وهذا ضرورة من أجل بناء مجتمع متطور. والتعددية تسري أيضا على الاجتهادات في التفسير الديني والفكري، شرط أن لا تكون مبنية على الاقصاء والتجريم. واستيعاب التعددية يجب أن يكون موقفا عاما، وليس انتقائيا؛ على سبيل، فكما أن مركبّات القائمة المشتركة في الكنيست نجحت في استيعاب تعدديتها، عليها أيضا أن تساهم في تثقيف الشارع على المبدأ ذاته، بما في ذلك، موضوعنا المطروح هنا، وأن لا يكون أيّ طرف فيها، مساهما في أجواء التكفير.
