مصير فلسطيني إسرائيلي مشترك

single

بوعي وإدراك عميقين لم يشوبهما أي تردد قالها الرئيس الأميركي أوباما، واعتماداً على قراءته المادية الواقعية غير التعسفية، " إن مصير الفلسطينيين بات مرتبط بمصير الإسرائيليين" حيث لا مجال لإنهاء واحد منهما لحساب الآخر، أو اجتثاث طرف لمصلحة الطرف الآخر، فقد تداخل الواقع والمستقبل والهواء والماء والأرض والحب والكره، ولم يعد هنالك مجال لإعادة عجلة الحياة إلى الوراء واستعادة التاريخ ليحكم ويتحكم في الحاضر.
     لم تكن هذه الأرض التي تسمى فلسطين، وستبقى فلسطين، لم تكن في أي يوم من الأيام للمسلمين وحدهم، أو لليهود فحسب، أو للمسيحيين فقط، بل كانت موضع شراكة مادية وروحية بينهم، بين أصحاب الديانات الثلاث اليهود والمسيحيين والمسلمين، سواء أكان ذلك في العيش أو كان في الصدام، أو حتى في الاحتواء والمهادنة، واليوم باتوا شركاء رغم أنفهم، رغم كراهيتهم المتبادلة، باتوا شركاء لبعضهم البعض أكثر وأعمق من أي وقت مضى.
     لا محاولات شطب الفلسطينيين ورميهم في الصحراء وجعل فلسطين وطناً قومياً خالصاً لليهود نجحت، ولا محاولات تحرير فلسطين من اليهود ورميهم في البحر تحققت، مما قاد إلى حقيقة موضوعية مفادها أن هناك شعبين من الفلسطينيين والإسرائيليين، وقوميتين ولغتين من العربية والعبرية، يتحكمان ويعيشان على الأرض نفسها، وبالتالي لا مفر أمامهما سوى خيارين: أولهما مواصلة الصراع والموت والخراب، وثانيهما البحث عن حلول واقعية عملية لإنهاء الصراع والتوصل إلى فرصة للعيش المشترك، وفق الحل الذي بات عنواناً للبشرية " دولتان للشعبين " وفق قرارات الأمم المتحدة قرار التقسيم 181 وقرار اللاجئين 194 وقرار الانسحاب 242 وقرار الدولتين 1397 وقرار خارطة الطريق 1515.
     ثلاث كلمات تحكم العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية، وعلى مثقفي فلسطين وحكمائها ودبلوماسييها وقادتها أن يتعلموها ويعلموها ويعملوا بها: 
     أول هذه الكلمات أن الإسرائيليين أعداء، وإذا كانوا كذلك فإن السؤال هو كيف يمكن لنا أن نعمل كفلسطينيين بين صفوفهم، بهدف اختراق صفوفهم والانتصار عليهم من أجل استعادة حقوقنا من حلوقهم وبطونهم وبيوتهم ومستوطناتهم، فهم الأقوى وهم الأغلبية ولديهم التفوق، وبدون تفتيت قوتهم وكسب انحيازات مهمة من بين صفوهم لصالح عدالة قضيتنا وشرعية مطالبنا، لن نستطيع استعادة حقوقنا.
     وثاني هذه الكلمات أن الإسرائيليين جيران، وبالتالي فإن السؤال هو كيف يمكن لنا كفلسطينيين تكييف سبل العيش معهم، بحيث لا نحبهم نعم ولكنهم جيران لا نستطيع التخلص منهم أو طردهم، ولذلك علينا أن نبحث عن وسائل وأساليب ومظلات العيش المشترك معهم، حتى ولو كانوا جيراناً " ثقيلوا الظل ".
     وثالث هذه الكلمات أن بعضاً من الإسرائيليين أصدقاء، وعلينا أن نضع أيدينا في أيديهم، لمواجهة الاحتلال والاستيطان والعنصرية والتمييز والتسلط، وطالما أن بعضاً منهم أصدقاء فهم يستحقون المجازفة والاحترام والثقة والعيش المشترك، بل والنضال المشترك والعمل سوية من أجل المستقبل الواحد الذي تنتصر فيه ومن خلاله إرادة الحياة والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، لا أن نبقى أسرى الماضي المرير الذي لا يمكن إلغاؤه أو تغييره أو تزييفه.
     كيف يمكن معاملة دوف حنين كعدو، ولماذا لا تتم معاملته كصديق؟؟ وكيف يمكن النظر إلى شلوميت ألوني على أنها مجرد جاره، وهي أقوى وأشد بسالة من بعضنا في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وحقهم في الحياة والوطن وفلسطين؟ وكيف يمكن معاملة يوسي بيلين على أنه جار غير مرغوب فيه؟؟
     إذا لم نستطع كفلسطينيين تحديد ماهية موقفنا وكيفية تعاملنا مع الإسرائيليين وفق المفردات الثلاثة، لن نحصل على حقوقنا حتى ولو انحاز أوباما وساركوزي وميركل لعدالة قضيتنا، فنحن أصحاب القضية والقرار، أما العرب والمسلمون والأميركيون والأوروبيون فهم عوامل مساعدة لهذا الطرف أو ذاك.
     لقد كانت العوامل المساعدة طوال عشرات السنين الماضية مساندة للمشروع الاستعماري الإسرائيلي، لأن الإسرائيليين استطاعوا تمرير روايتهم على أنهم ضحية وفشلنا كفلسطينيين في تسويق عدالة حقوقنا كشعب يتوسل الحياة والكرامة، أما اليوم فالوضع يتغير لصالح شعبنا وعدالة مطالبه وحكمة قيادته وحجم تضحياته، فماذا نحن فاعلون؟؟
     نتوهم إذا اعتقدنا أن العرب أو المسلمين أو أوروبا أو أمريكا أوباما ستعيد لنا حقوقنا بدون فعل وعمل يجعل الاحتلال مكلف أخلاقياً ويجعله منبوذاً من المجتمع الدولي، وعلينا أن ندرك، على فتح وحماس وسائر الفعاليات الفلسطينية أن تدرك أن الحق وحده في عدالة القضية، غير كافٍ لاستعادتها، بل المطلوب عمل كفاحي ذو طابع أخلاقي ينسجم مع قيم العصر وفلسفاته وروحه.
     مطلوب نضال فلسطيني مدني سلمي حضاري ديمقراطي تعددي مبني على قرارات الأمم المتحدة، نضال يطالب بتطبيقها وتنفيذها على الأرض، حيث يكون الحكم الفيصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين والاحتكام إلى شرعيتها وأحكامها في التوصل إلى تسوية واقعية تحفظ مصالح الطرفين في الحياة والأمن والعيش المشترك.
     ولذلك، بدون شراكة إسرائيلية لهذه المطالب، وبدون نضال فاعل سياسي دبلوماسي جماهيري مشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين لن نستطيع هزيمة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي وأدواته، فهل نفعل؟ هل يتقدم شجعان من الطرفين على أرضية هذا البرنامج المطلوب؟؟   


h.faraneh@yahoo.com 

قد يهمّكم أيضا..
featured

كم مرة أخطأت حساباتنا؟

featured

سطور من كتاب الأرض

featured

عدوّنا الحقيقي

featured

لتظل ناصرتنا قلعة شامخة

featured

التصويت للقائمة المشتركة واجب وطني

featured

أم الفحم العزيزة، مهلا!

featured

المقاربة الروسية الاستباقية: تبشير بنهاية الأحادية القطبية