ما هي المدلولات السياسية لعملية القرصنة العدوانية على السودان؟!

single
جرى في منتصف الاسبوع الماضي الكشف عن سر "خبر مثير" مفاده انه قبل حوالي الشهرين ابان وفي آخر شهر كانون الثاني ومطلع شهر شباط من هذا العام، في آخر ايام حرب الابادة العدوانية الاسرائيلية على قطاع غزة جرت عملية قرصنة عدوانية بقصف وتدمير 16 شاحنة وسفينة ايرانية محملة "بسلاح ايراني" في مدينة وميناء بورت سودان، التي تبعد عن اسرائيل الفين واربعمئة كيلو متر، وانها كانت معدة لدعم حماس وتهريبا عبر انفاق "فيلادلفي"! ومنذ الاعلان عن هذا الخبر تعيش اسرائيل الرسمية، الحكومة واذرعها العسكرية ووسائل اعلامها المجندة، مهرجان نشوة التهليل لقوة الدرع الاسرائيلية العسكرية ونشاط مخابراتها وطول باع ذراعها العسكري وقدرته على الوصول الى الاهداف وتدميرها مهما كانت بعيدة!! وبالرغم من ان حكومة اسرائيل وكعادتها لا تصدر بيانا رسميا تعترف من خلاله بمسؤوليتها، لا تنفي ولا تصادق، ولكنها توحي بأنها هي من ارتكب الجريمة وبالتنسيق مع الادارة الامريكية. وكما هي العادة المتبعة لدى التحالف الاستراتيجي العدواني الامريكي – الاسرائيلي انه يجري التنسيق بينهما عن موعد تسريب الخبر عن الجريمة المرتكبة عبر وسائل الاعلام الامريكية اولا وبشكل يخدم "كشف السر" اهدافا محددة يتوخى هذا التحالف انجازها. فأول من كشف عن جريمة القصف والتدمير هي شبكة تلفزيون "سي.بي.اس" الامريكية ونشرت يوم الثلاثاء من الاسبوع الماضي ولمح رئيس الحكومة المنصرف ايهود اولمرت الى الدور الاسرائيلي في تنفيذ هذه العملية من خلال تصريح له يوم الخميس في السادس والعشرين من شهر اذار الحالي في مدينة هرتسيليا بقوله "اننا نقوم بالعمل في أي مكان نستطيع فيه ضرب البنية التحتية للارهاب في اماكن قريبة وليس بالضرورة قريبة جدا، اننا نضربهم بطريقة تعزز الردع وصورة الردع وهي احيانا لا تقل اهمية لدولة اسرائيل"!!
ورغم البيانات الضبابية والمتناقضة احيانا للحكومة السودانية، فتارة توجه اصبع الاتهام الى ان من قام بالقرصنة العدوانية هي الطائرات الامريكية واحيانا اخرى اتهام اسرائيل وطائراتها امريكية الصنع، وبالرغم من ادعاء السودان ان الشاحنات والسفينة كانت حمولتهما ليس الاسلحة بل مواد تموينية لاغاثة الشعب المنكوب في غزة، رغم هذا وذاك فان ما يهمنا تأكيده اننا بالرغم من موقفنا من النظام السوداني برئاسة البشير وادانتنا لكثير من ممارساته الا اننا نرى الحظر الاكبر والكارثي يكمن في المؤامرة الامبريالية لتقسيم السودان الى دويلات هشة وان اصابع الشر الاسرائيلية العسكرية والمخابراتية تخترق الساحة السودانية وتشارك في زرع وتأجيج فتن الصراع الدموي والانقسام. اضافة الى ذلك، فاننا لا نخرج عملية القرصنة في العمق الاستراتيجي من اطار الاستراتيجية الامبريالية الاقليمية لدفع عجلة اهداف ومخططات اسرائيلية وامريكية ضد شعوب وبلدان المنطقة. فتحديد موعد الاعلان عن عملية القرصنة في العمق السوداني ينطوي على مدلولات سياسية يتوخى المعتدون احراز مكاسب من ورائها.
* اهداف ومؤشرات:
لا نجدد شيئا اذا اكدنا ان أي عملية عسكرية، حربا كانت او عملية عسكرية خاطفة تعتبر وسيلة لتحقيق اهداف سياسية. وبراينا ان قصف قافلة سيارات الشحن والسفينة الايرانية في بورت سودان وتحديد الموعد الزمني جاء لخدمة الاهداف السياسية التالية:
- اولا: لقد جاء توقيت عملية القرصنة على السودان في ظل تصعيد التحريض الاسرائيلي على ايران وعلى مشروعها النووي وقدرتها الصاروخية باعتبار ذلك يؤلف خطرا على امن ووجود اسرائيل، اضافة الى اتهام ايران بأنها حاضنة "قوى الارهاب" التي تزودها بالسلاح الايراني، لقوى مثل حزب الله اللبناني وحماس الفلسطيني وحركات اصولية من "الاخوان المسلمين" في مصر والاردن والنظام السوداني و"طالبان" في افغانستان والسودان.. وبناء على هذه الادعاءات فان اسرائيل الرسمية تحاول ضرب عدة عصافير بحجر واحد، الادعاء بان الخطأ الاكبر والاساسي الذي يواجه بلدان وشعوب المنطقة وحتى عالميا هو الارهاب الايراني وليس الاستراتيجية العدوانية الامبريالية – الاسرائيلية. وان حرب الابادة الاسرائيلية في قطاع غزة لم تكن موجهة ضد الشعب الفلسطيني بل ضد حماس ذراع ايران في المناطق الفلسطينية المحتلة وكأنه لا يوجد احتلال استيطاني ارهابي مجرم. والاخطر من ذلك استغلال القرصنة العدوانية على العمق السوداني لاقناع الحليف الاستراتيجي الامريكي ان لاسرائيل القدرة العسكرية على القيام بعملية تدمير خاطفة للمنشئات النووية الايرانية، لديها القدرة بواسطة الطائرة النفاثة بدون طيار (هيرمز 450) التي تستطيع البقاء في الجو 24 ساعة وقطع مسافة اطول من المسافة بين اسرائيل والسودان ذهابا وايابا في الجو، ولدى اسرائيل ايضا الطائرات النفاثة المراوغة الامريكية الصنع من طراز "اف 35" وغير ذلك. استغلال عملية السودان كمقدمة تجريبية لاحتمال حرب مرتقبة على ايران وتهيئة الرأي العام العالمي وكأن الحرب على ايران لا مفر منها. وقد كتب المحرر في صحيفة "يديعوت احرونوت" عدد الجمعة 27/3/09 بهذا الخصوص ما يلي "ان ايران تفرض عمليا على اسرائيل مواجهة عسكرية مباشرة. ولا يجري الحديث عن شوشرة احمدي نجاد او المشروع الذري الايراني. فحتى الآن شنت ايران ضد اسرائيل حرب استنزاف بواسطة رسلها – حزب الله، حماس وتنظيمات فلسطينية اخرى. الآن تصل هذه الحرب الى قمم لا يمكن بعد تجاهلها ومواصلة التعامل مع رسلها"!! ولعل الاعلان منذ الآن عن مناورات عسكرية بالذخيرة الحية للجبهة الداخلية في شهر تموز المقبل وتحذير اهال في مختلف مناطق اسرائيل النزول الى الملاجئ والمحلات الوقائية وذلك في اطار فحص قدرة الجاهزية العسكرية الاسرائيلية في مواجهة حرب صواريخ قد تكون مرتقبة. ومثل هذا التصريح لا يعكس سياسة نظام يجنح للسلم!!
- ثانيا: برأينا ان قصف الشاحنات بحجة انها محملة بسلاح ايراني لدعم حماس جاء توقيت الاعلان عنه في وقت تتصاعد فيه وتتسع دائرة المطالبة عالميا بمحاكمة المسؤولين السياسيين والعسكريين الاسرائيليين في المحكمة الدولية كمجرمي حرب ارتكبوا جرائم حرب همجية ضد المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، صرف الانظار عالميا عن هذه القضية وتركيزها بتصوير وكأن اسرائيل هي الضحية التي تدافع عن امنها ووجودها من جرائم الارهاب الايراني عبر اذرعه في غزة ولبنان.
- ثالثا: استغلال حكومة العدوان الاسرائيلية عملية القرصنة في العمق السوداني لاثبات ان اسرائيل لا تزال عل حيلها قوة ردع عسكري تستطيع ضرب مختلف الاهداف القريبة والبعيدة، وضرب العمق السوداني رسالة اسرائيلية ارهابية لسوريا وحزب الله والقيادة الفلسطينية، كما انها رسالة موجهة الى الادارة الامريكية ودوائر الحلف الاطلسي مدلولها السياسي ان اسرائيل لا تزال ولم تتخل عن دورها كمخفر استراتيجي امامي اساسي في خدمة المصالح الامبريالية، وليس من وليد الصدفة انه في نفس الوقت الذي كشف فيه عن عملية القرصنة العدوانية على السوداء، ومن خلال نشوة التهليل الاسرائيلي جرى الاعلان ان جهاز الامن الاسرائيلي "ورفائيل" (مجمع التطوير والانتاج العسكري) قد اجروا تجربة ناجحة لمنظومة صاروخية جديدة اطلق عليها "القبة الحديدية" وظيفتها ومهمتها التصدي واسقاط صواريخ "القسام" و"غراد"، وان هذه المنظومة من الصواريخ ستدخل الحيز العملي قبل نهاية العام الفين وعشرة المقبل. كما اعلن انه بموازاة منظومة "القبة الحديدية" فان شركة رفائيل. تطور مع احدى الشركات الامريكية منظومة صواريخ اخرى باسم شربيت كساميم، وظيفتها مواجهة واسقاط صواريخ طويلة الامد وصواريخ ارض – ارض قصيرة الامد مثل (سكاد ب) فهذه الانواع من المنظومات الصاروخية الجديدة والمتعددة مهمتها رفع وتطوير مستوى الدفاع في مواجهة الصواريخ والقذائف الموجهة الى اسرائيل، انها ذريعة اسرائيلية لتبرير وشرعنة سباق التسلح الجنوني الذي تمارسه العدوانية الاسرائيلية.
- رابعا: ليس من وليد الصدفة ان يجري تحديد موعد الكشف عن عملية القرصنة قبل اقل من اسبوع من عقد مؤتمر القمة العربية اليوم الاثنين الثلاثين من اذار الجاري في الدوحة القطرية. فما تتوخاه وتعمل من اجله اسرائيل الرسمية ومعها الادارة الامريكية ان يسود القمة وما يتمخض عنها من قرارات "الموقف المعتدل" حسب المفهوم الاسرائيلي – الامريكي والذي مدلوله السياس عدم اتخاذ قرارات واجراءات مناهضة الاستراتيجية العدوان الامبريالي في المنطقة، التهليل لادارة اوباما الامريكية، وعدم اتخاذ أي اجراء ناجع ضد المحتل الاسرائيلي وجرائمه وعدم تجاوز الادانة اللفظية والتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني. ان تسود المؤتمر مساعي مصالحة عربية – عربية مبنية على التقارب والتحالف مع الاستراتيجية الامريكية في المنطقة وفي اطار خدمتها، والتهويل والمبالغة فيما يتعلق بالخطر الايراني الاقليمي وبلورة "تضامن" عربي رسمي من انظمة الولاء لامريكا ضد الخطر الايراني و"التغلغل الشيعي"!
- خامسا: استغلال اسرائيل لعملية السودان كوسيلة لارهاب السلطة الوطنية الفلسطينية وابتزاز تنازلات سياسية من الفلسطينيين تنسجم مع الاملاءات الاسرائيلية للتسوية، العمل على افشال مساعي تجاوز حالة الانقسام الفلسطيني وعرقلة الحوار الفلسطيني لاعادة اللحمة لوحدة الصف الفلسطينية المتمسكة بثوابت الحقوق الوطنية وبمنظمة التحرير الفلسطينية، كممثل وحيد وشرعي للشعب العربي الفلسطيني.
والخلاصة: ان اللجوء الى سياسة البلطجة العربيدة بقوة سلاح الفتك والتدمير والذراع الطويلة للعدوان لا يمكن ان تحل ازمة اسرائيل السياسية وتحقيق الامن والاستقرار والسلام، فاكثر من ستين سنة على العدوانية الاسرائيلية قد اثبتت انه لا يمكن حل قضية الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني – العربي بواسطة الحسم العسكري الاسرائيلي المدعوم بمختلف انواع اسلحة الفتك والتدمير الامريكية. فلا مخرج لاسرائيل من دوامة الازمة الا بانهاء الاحتلال الاسرائيلي لجميع الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة والاعتراف بالحق الشرعي الفلسطيني بالدولة والقدس والعودة وانتهاج سياسة سلام وتعايش مبني على التكافؤ والاحترام المتبادل بين اسرائيل والدولة الفلسطينية والبلدان العربية المجاورة. ولكن ماذا ينتظر من حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك التي في مركزها اعتى قوى العدوان والتطرف اليميني الكارثي؟!
قد يهمّكم أيضا..
featured

سلام وعدل لسوريا وشعبها

featured

فَخّ الدِّين السِّياسِي، مَعْركَة خَاسِرة

featured

أوباما.. الرئيس "الملهَم"!

featured

الردع والحماية والتثقيف معا!

featured

أين نحن من توحيد الاعياد لدى المسيحيين !

featured

همسة الى أبنائي

featured

الغيتوات والفيتوات