المشاركون في مسيرة الوفاء والعهد، الى ضريح الشاعر الذي حمل روحة على راحتِه غير هائب من الردى، لإيمانه العميق بقدسية قضيته وعدالة الهدف.
عبد الرحيم محمود، أبو الطيب، الذي كرّم ثرى الناصرة برقاده الأبدي شهيدا في أحضانه، ذات التراب الذي حضن لاحقا الشاعر المناضل رفيق الفكر والقيم والمبادئ توفيق زيّاد، والذي قمنا قبل أسبوع بإحياء ذكرى رحيله.
كان أبو الطيب نموذجا للمبدع الثائر الذي اقترن قوله بالفعل، فارسا وطنيا صادقا وشاعرا مقاتلا، سعى من خلال الشعر والنموذج الشخصي، الى تثوير الشعب حتى على قادةٍ كانوا شركاء في التآمر عليه:
لهــفي علـــيك الا تـــرى
يــا شعبُ حـولَك مـا يُـريب
وقد تجلّى في شعره وعيه لعمق المؤامرة برؤوسها الثلاث، الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية من جهة، ووعيه الطبقي ووقوفه إلى جانب الفئات المسحوقة، من العمال والفلاحين، من جهة أخرى. هذا ما قرّبه من الفكر الاشتراكي واليساري ومن عصبة التحرر الوطني الفلسطيني، ورموزها الذين ربطته علاقة صداقة مع الكثير منهم.
لسنا في معرض التقييم الأدبي أو سرد سيرة أو تفصيلِ تاريخ، ولكن ليس لنا ونحن نحيي ذكرى استشهاد أبي الطيب الا استذكار موقفٍ مشهودٍ له، قبل ساعات من استشهاده، حين قام بتحدي قادة جيش الانقاذ في الناصرة، الذين قاموا بحملة اعتقالات طالت تسعة رفاق عصبة التحرر الوطني الفلسطيني بحجة أنهم جواسيس، للتغطية على فشل القيادات المهزومة وتحويل أنظار الشعب عن تلك القيادات، وألزمهم بإطلاق سراحهم. وكما روى طيب الذكر توفيق زياد في مداخلة له سنة 1988 في الذكرى الأربعين لاستشهاد أبي الطيب، فقد قام بإشهار سلاحه أو كاد، ليتم إطلاق سراحهم، ووجه كلامه الى قادة جيش الإنقاذ هناك بأن من تعتقلونهم هم من أشرف الوطنيين.
ونحن اليوم نعيش مرحلة يعيد التاريخ فيها نفسه، مع اختلاف التفاصيل ومسارح الأحداث، مرحلة تقوم فيها اسرائيل الدولة بدور الحركة الصهيونية، والاستعمار الاقتصادي بدل الاستعمار التقليدي والرجعية العربية - تتبدل عناوينها والجوهر واحد – في سياقِ استهداف الشعوب العربية، بهدف السيطرة على نُظمها السياسية والاستئثار بمقدراتها الاقتصادية!
إحياء الذكرى، أو كما قال جبران، التذكار، هي شكل من أشكال اللقاء.
ونحن اليوم لا نلتقي مع عبد الرحيم محمود الجسد، وإنما مع عبد الرحيم محمود الفكر والمُثُل، الثقافة والقيم، وخاصة تطابق القولِ والفعلِ، والصدق في الانتماء.
هذا هو الطريق الذي سنواصل السير عليه، حتى لو حاد عنه من حاد، أو كلَّ من كَلّ. الطريق ليس مفروشا بالورود، بل طويل شاق ووعر، هناك من يتعب، وهناك من تجذبه مغريات على جانبي الطريق. لكنا على يقين ان هذا الطريق الذي سار عليه ومثّله فيمن مثّلهُ عبد الرحيم محمود ومطلق عبد الخالق، وعبد الكريم الكرمي "أبو سلمى"، وابراهيم طوقان، وغسان كنفاني وتوفيق زياد ومحمود درويش، وسميح القاسم أطال الله عمره، والعديد غيرهم من المبدعين، والقائمة طويلة، هو الطريق، على وعورته، الذي يوصلنا الى الهدف الذي ناضلتَ يا أبا الطيب من أجله. حرية واستقلال شعب فلسطين.
ونحن نؤكد لك في ذكرى استشهادك أننا سنواصل حمل الراية حتى تقوم دولة فلسطين وعاصمتها قدس العرب. عندها سنقول لك نَم قرير العين نوما أبديا في ثرى الناصرة التي عنها أيضا دافعت.
(كلمة رئيس بلدية الناصرة رامز جرايسي، في حفل احياء الذكرى المئوية لميلاد الشاعر المقاتل عبد الرحيم محمود ومرور 65 عاما على استشهاده أمام ضريحه في الناصرة 13.7.2013 )
