ذكريات ختيار لم تمت أجياله (33)

single

بعد الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس جمال عبد الناصر الى الاتحاد السوفييتي في اوائل تموز من سنة 1968 بحوالي اسبوعين، انهيت دراستي السياسية في معهد العلوم الاجتماعية على اسم "لينين" في مدينة موسكو، وبدأت احضر نفسي للعودة الى ارض الوطن. وفي تلك الفترة بدأت عملية الوداع للرفاق الذين عشت معهم حوالي سنتين من مختلف الاحزاب الشيوعية الشقيقة والتي ربطتني بهم علاقات صداقة رفاقية قوية وكذلك الرفاق السوفييت العاملين في المعهد في مختلف المجالات ان كانوا عاملين في مجال الصحة او الأعمال الأخرى وكذلك المعلمين والمترجمين.
لا شك ان ساعات الوداع هي من أصعب الساعات التي يعيشها الانسان وبشكل خاص في ظروف مثل الظروف التي كنا نعيشها نحن رواد هذا المعهد حيث كنا على علاقة يومية مع بعض، خاصة وانك تعرف ان القسم الأكبر من هؤلاء الرفاق والأصدقاء ربما سوف لا تراه أبدًا مرة أخرى وبشكل خاص أولئك الرفاق من الأحزاب الشيوعية التي تعمل بشكل سري في بلادها مثل أقطار أفريقيا وأمريكا اللاتينية والدول العربية وجميع هؤلاء لم يكونوا يحملون أسماءهم الحقيقية بل يحملون أسماء سرية نتيجة للظروف السياسية والاجتماعية التي يعيشونها في أقطارهم. ولكن عملية الوداع هذه كان لا بد منها بالرغم من صعوبتها. كل هذا قمنا به انا والرفيقة اوديت نمر عندما تقرر بشكل نهائي تاريخ عودتنا بعد ان انهينا دراستنا سوية، وفي اليوم المقرر حملنا حقائبنا وذهبنا الى مطار موسكو من اجل استقلال الطائرة السوفييتية المتجهة الى قبرص وكان برفقتنا احد الرفاق المسؤولين من المعهد والذي من واجبه ان يبقى معنا حتى اقلاع الطائرة. ولكن عندما صعدنا الى سلم الطائرة، اكتشفت أنّ جواز سفري ليس بحوزتي بل بقي مع الرفيق المرافق وكان قد عاد الى المعهد قبل ان تقلع الطائرة من المطار. وكانت حقائبي في داخل الطائرة والرفيقة اوديت مع حقائبها ووقفت محرجا في تلك اللحظة. وعندها كنت مضطرا ان اعود الى المعهد بعد ان اقلعت الطائرة الى قبرص وبداخلها الرفيقة اوديت مع امتعتي وامتعتها طبعا. ولكن انا عدت متعبًا جدا نتيجة لهذا الحدث. وكان اول من استقبلني في المعهد بعد عودتي بهذا الوضع الرفيق الذي كان مسؤولا عنا والذي كان هناك بمثابة والدي فتفاجأ من رؤيتي في المعهد لأنه كان يعرف جيدا أنني قد سافرت وسألني ماذا جرى، فرويت له قصة ما حدث فأبدى انزعاجه من هذا التصرف ولكن بعدها ضحك وقال لي يالله، سنكسبك أسبوعا آخر عندنا وانا سوف ارتب لك برنامجا جميلا خلال هذا الاسبوع وفي الواقع اراد من وراء هذا الحديث ان يجاملني لأنه رأى على وجهي الانفعال. فقلت له بإصرار لا أريد ان أبقى ولا يومًا إضافيًّا واحدًا أريد ان نفتش عن أي طريق لأعود إلى الوطن وبأقرب وقت ممكن، وفعلا اخذ الامور بجدية وبعد البحث وجدنا ان هناك طائرة تقلع من موسكو الى روما في اليوم الثاني ومن هناك الى تل ابيب وهكذا اصل في نفس اليوم الذي كنت سأصل فيه الى البلاد ولكن بتأخير حوالي ست ساعات وهكذا كان أي في اليوم التالي صباحا اقلعت بي الطائرة من موسكو الى روما وهناك انتظرت الطائرة المسافرة الى مطار تل ابيب مدة خمس ساعات تقريبا قضيتها في داخل المطار.
عند وصول الى المطار في تل ابيب وخلال نزولي من على سلم الطائرة واذا بأحد افراد الشرطة ينتظرني عند سلم الطائرة ويؤشر لي بيده من اجل ان اتبعه الى غرفة التفتيش وعندما رأيت هذا المنظر وبالرغم من تعبي انفجرت بالضحك فاستغرب ضحكي وقال لي على ماذا تضحك، فأجبته وانا مستمر في الضحك "هيك اجا على بالي لأني مبسوط جدا". ولكن في الحقيقة تذكرت الايام التي كنا نزور هناك في الاتحاد السوفييتي بعض مراكز الشرطة او بعض المواقع العسكرية. وكيف كان هناك جنرالات وضباط كبار يحيونا بالتحية العسكرية عندما ندخل اليهم، وعندما تذكرتهم ورأيت شرطي يسير "بالميل" ويؤشر لي بهذا الاسلوب المزعج فعلا ضحكت كثيرا. وبعد هذا اخذني الى مكان منفرد من اجل التحقيق معي وتفتيشي وهم يعرفون ان امتعتي لم تكن معي وكانت قد سبقتني الى قبرص ولم تأت في ذلك اليوم الا بعد اسبوع من عودتي وعلى هذا الاساس لا يوجد لدي ما يفتشوه. ولكن الهدف هو التحقيق وكانت اسئلة التحقيق سخيفة، وعمليا رفضت الاجابة على بعض الاسئلة لأنها اسئلة لا يحق لهم طرحها علي وعندما افهمتهم ان مثل هذه الاسئلة لا يحق لهم طرحها عرفوا انه لا مجال لهم بالاستمرار بمثل هذه الاسئلة وأنهوا المقابلة، وذهبت لألتقي بأهلي الذين انتظروني في المطار في ذلك اليوم أكثر من ست ساعات، ولا شك انه كان لقاء مؤثرا بعد غياب مدة سنتين وخاصة ان والدي كان بين المودعين ولكنه لم يكن بين المستقبلين لأنه رحل خلال وجودي في الاتحاد السوفييتي كما ذكرت سابقا.
بعد ايام من عودتي الى عرابة كان الرفاق والاصدقاء وجميع المعارف يتوافدون الى بيتنا لتهنئتي بسلامة العودة ومن اجل سماع بعض الاخبار والانطباعات عن حياة الناس في الاتحاد السوفييتي بلد العمال والفلاحين والذي كانت الاكثرية المطلقة من جماهيرنا العربية في هذه البلاد تكنّ لهذا البلد الصديق لشعوبنا العربية كل الحب والاحترام. وفي الوقت نفسه حضر عدد من الرفاق من قادة الحزب والشبيبة في منطقة الناصرة من اجل تهنئتي بالعودة الى ارض الوطن وكذلك من اجل البحث الاولي عن عملي المستقبلي في العمل في صفوف الشبيبة الشيوعية وبعد العودة لم يكن أي مجال للاستراحة، بل بعد اقل من اسبوعين عدت الى العمل بشكل كامل ومتواصل كمتفرغ للعمل في الشبيبة الشيوعية وكعضو في اللجنة المركزية للشبيبة الشيوعية وعضو في سكرتارية منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية.
من الواضح أنني قد عدت من دراستي الهامة هذه وأنا مليء بالنشاط والثقة اكثر بالذات من اجل العمل بروح جديدة ومعنويات عالية وكنت كلي على ثقة بإمكانية العطاء وبأنّي سوف أقوم بواجب العمل بين الشباب من اجل تطوير وتقوية الشبيبة الشيوعية في قرانا أكثر من الماضي وفي الواقع كنت انظر وعلى قناعة كبيرة وما زلت على هذه القناعة ان تطوير عمل الشبيبة الشيوعية وتقويتها يساعد بشكل كبير على تطور عمل الحزب الشيوعي في مختلف قرانا ومدننا العربية وان هذا التطور دائما يصب في مصلحة جماهيرنا العربية في هذه البلاد وعلى مستقبل تطورها الطبيعي. لأنه لم يكن ولن يكون في أي يوم من الايام تناقض بين مصلحة الحزب الشيوعي ومصلحة جماهيرنا الشعبية. في كل المجالات السياسية والاجتماعية والوطنية. وكل من يحاول ان يظهر أي تناقض هو يهدف الى تشويه الواقع والدور التاريخي الذي لعبه حزبنا الشيوعي حتى اليوم.
عمليا.
وفي هذه الاثناء وبعد عودتي بحوالي الشهر كان التحضير على اشده من اجل عقد مؤتمر منطقة الناصرة للحزب الشيوعي وفي الواقع كان هذا المؤتمر، المؤتمر الاول للمنطقة الذي يعقد بعد حرب حزيران العدوانية على الشعوب العربية التي قامت بها اسرائيل واحتلالها للاراضي العربية الشاسعة من مصر والاردن وسوريا. وعقد المؤتمر بتاريخ 16-17/8/1968 أي عمليا بعد سنة وشهرين من هذا العدوان الغاشم وكان من الطبيعي والواضح ان يأخذ نقاش الرفاق في هذا المؤتمر حيزا خاصا عن هذه الحرب العدوانية واحتلال المناطق الواسعة من الاراضي العربية، وعن ابعادها المستقبلية على شعوب هذه المنطقة وكيف يجب علينا ان نجابه هذا الواقع الصعب الذي نتج عن ذلك العدوان. وفي الواقع بعد ان قدم الرفيق توفيق طوبي تحليله السياسي للأوضاع التي نشأت جاء نقاش الرفاق بعده نقاشا متفائلا. ولكن على ما اذكر جيدا ان الرفيق منعم جرجورة كان قد اخذ دورا في النقاش حول الوضع السياسي العام وعن الاحتلال وقال خلال نقاشه: "يا رفاق أود ان تفهموني جيدا ان نقاشي هذا يجب ان لا يفهم منه انني متشائم بل انا في هذا النقاش احاول ان اكون موضوعيا من اجل ان نفهم الواقع الذي نعيشه". واضاف ان الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية المحتلة من الممكن ان يدوم اكثر من ما نتوقع فربما يستمر اكثر من خمس سنوات وحتى اكثر من عشر سنوات عندها ثار بعض الرفاق من هذا النقاش واذكر منهم الرفيق حسن محمود خطبا المعروف بحماسه الشيوعي وتفاؤله فقاطع الرفيق منعم جرجورة وقال له بعصبية ان حديثك هذا هو حديث محبط للرفاق. فرد عليه الرفيق منعم وقال له لا يا رفيق ان حديثي ونقاشي هذا ليس من اجل ان احبطك بل انا اقول هذا من اجل ان لا تيأسوا بل من اجل ان تعرف ان نضالنا ومعركتنا ضد الاحتلال الاسرائيلي ونتائجه هي معركة يمكن ان تستمر لمدة طويلة وعلى هذا الاساس علينا ان نتحلى باليقظة وبالنفس الطويل من اجل مجابهة هذا الواقع الذي نشأ نتيجة لهذا العدوان. وهكذا عمليا ثبت صحة ما قاله الرفيق منعم جرجورة وها قد مر على هذا الاحتلال أكثر من أربعين عاما حتى الآن.
في الواقع كان هذا المؤتمر لمنطقة الناصرة الحزبية مؤتمرا غنيا في ابحاثه وقراراته وكان نقطة انطلاقة جديدة في عمل الحزب منطقيا وقطريا وكذلك وضع برنامجا من اجل تطوير العمل بين الشباب في المنطقة وتوسيع دور الشبيبة الشيوعية بين الشباب ومدها بقوى جديدة من اجل تطوير عملها ودورها، خاصة وانه في تلك المرحلة كانت منطقة الناصرة واسعة جدا حيث كانت تضم بالاضافة الى الناصرة وقطاعي الخط والمرج الذين يكونون منطقة الناصرة اليوم كذلك المناطق الحزبية الحالية مثل منطقة عكا ومنطقة شفاعمرو ومنطقة البطوف أي انها كانت منطقة واسعة ومترامية الاطراف وكانت لها مكانتها الخاصة في حياة الحزب قطريا. وكذلك فان مؤتمر منطقة الناصرة هذا كان قد عقد قبل انعقاد المؤتمر السادس عشر لحزبنا الشيوعي بحوالي خمسة اشهر وكان من الناحية العملية تحضيرًا لفروع الحزب في المنطقة من اجل وضع برامجها الخاصة ومن اجل التحضير للمعارك القادمة ومن اجل انجاح المؤتمر القطري، هذا المؤتمر الهام في حياة حزبنا الشيوعي والذي كان قد عقد في تاريخ 30/1 حتى 1/2/1969، وجاء هذا المؤتمر بعد اقل من اربع سنوات على انعقاد المؤتمر الخامس عشر للحزب الذي حدث فيه الانقسام في الحزب وخروج كتلة كبيرة من صفوف الحزب الشيوعي. وعلى اساس هذا الواقع كان من الطبيعي ان يكون في مركز ابحاث هذا المؤتمر تلخيصات لعدة قضايا هامة مرت على البلاد والمنطقة والعالم منذ انعقاد المؤتمر الخامس عشر للحزب في سنة 19654 وحتى انعقاد هذا المؤتمر حيث كان من الاهمية ان يبرز في مواد هذا المؤتمر قضية عدوان حزيران على الشعوب العربية وكذلك قضية التغلب على المصاعب التي جابهت الحزب نتيجة للانقسام الذي حدث في تلك الفترة وكيف استطعنا كحزب ان نتغلب على هذه الازمة بالرغم من الامكانيات المحدودة والتحريض الواسع على الحزب. ومن الناحية العملية كان قد ساعدنا على فضح هذه الفئة المنشقة والقومية المنحرفة عن المبادئ الشيوعية هذه الكتلة المنشقة نفسها، عندما انحرفت بشكل مطلق الى المواقف القومية الصهيونية بعد ان وقفت خلال عدوان حزيران على الشعوب العربية بشكل كلي مع "الاجماع القومي الصهيوني" حيث أيّد أفرادها هذا العدوان. وفي المقابل كان قد برز في مواد المؤتمر وبالممارسة الفعلية للحزب التحليل الماركسي والموقف المبدئي والاممي من هذا العدوان الغاشم الذي شنه حكام اسرائيل وبالتنسيق الكامل مع الاستعمار الامريكي والبريطاني على الشعوب العربية وعمليا تأكيد الشعار المبدئي الذي رفعه الحزب "مع الشعوب العربية ضد الاستعمار وليس مع الاستعمار ضد الشعوب العربية" في الواقع ان هذا المؤتمر كان قد قدم عن موعده بعدة اشهر من اجل ان يكون الوقت الكافي من اجل تفرغ الرفاق والفروع ومن اجل شحذ الهمم والتجند الكامل للمعارك الانتخابية المقبلة للهستدروت والكنيست ايضا.
(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

البطريركية اليونانية والصفقة المشؤومة

featured

بالمُختصر المفيد!

featured

حملة المقاطعة ومهرجان العويل!

featured

خواطر في وداع أحمد سعد، الإنسان المعلم..

featured

أنقرة وواشنطن من التعاون إلى التنافس

featured

الرفيقة أوديت نمر، لن ننساك

featured

69 عاما للنصر على النازية

featured

احتفالٌ محمود في كفرياسيف