كيف نشفى من حب تونس الذي يجري فينا مجرى النفس..؟
لقد رأينا في تونس من الألفة و الحنان والسند السمح ما لم نرى في أي مكان آخر
لذلك نخرج منها كما لم نخرج من أي مكان آخر.
نقفز من حضنها إلى موطئ القدم الأول..
في ساحة الوطن الخلفية
بعدما تجلت لنا فيها...
في البشر و الشجر و الحجر.
صور أرواحنا المحلقة كعاملات النحل... على أزهار السياج البعيد
في هذا الوداع أحبكِ يا تونس أكثر مما كنا نعرف.
نرسب في صمت الوداع الحزين شفافية تجرح
ونُصفي كثافة مركزة إلى حد العتمة التي تحل بالعشاق
ما أجمل الأسرار الكامنة وراء الباب الموارب، وراء بابك
فهل نقول لك شكراً؟!
لم أسمع أبدا عاشقين يقولان شكرا ولكن...
شكرا لك لأنك أنت من أنت..
حافظي على نفسك يا تونس.....
سنلتقي غدا على أرض أختك فلسطين....!.
هل نسينا شيئا وراءك!
نعم، نسينا القلب وتركنا فيك خير ما فينا؟
تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك بهم خيرا...!
......بهذه الكلمات ودّع الشاعر محمود درويش تونس وقلبه يعتصر ألماً...وبكى.!!!
أوصاها على شهدائنا....وها هي الحال تنقلب اليوم، فقافلة الشهداء التونسيين تنضم للشهداء الفلسطينيين ولم نعد ندري من نوصي بمن؟!
ها هو الشعب التونسي ينتفض ثائراً في سبيل الخبز والقوت اليومي...
ينتفض ويقتل على أمل تغيير النظام الحاكم...
وان ننسى فلا ننسى تهليل الشعب العراقي بسقوط صدام وحكمه...
ولا ننسى كم هللنا وفرحنا لسقوط شاه إيران وحكمه أيضاً...لكن ماذا كانت البدائل والنتائج المترتبة على ذلك.
ألم يحن الوقت لنفهم اللعبة بعد...!؟
استغرب كيف ولماذا نحن الشعب الوحيد الذي يلدغ من ذات الجحر مرتين تلو مرتين تلو مرتين..!؟
متى ندرك أن قائد هذا العالم قد وضع خارطة الطريق لكل دولة عربية...!؟
متى ندرك أننا ليس أكثر من دمىً تنفذ ما يخطط له ذلك القائد في الزمان كما المكان المناسب له..!؟
كيف لنا أن نفهم أنه يرسل علماء وباحثين لكل الدول لدراسة نفسيات وتقاليد واحتياجات هذه المجتمعات ليبني خطته بناءً على كل ذلك..!؟
هو من يقرر أن يصدّر الثورة ليقوم بها الشعب المسكين أم يدخل هو بجيوشه ليحرر هذا الشعب المسكين من براثن حاكمه بهدف بناء شرق جديد...!
لا أقلل من معاناة الشعب الجائع أبداً...ولا أقلل من أهمية الثورة ضد الجوع الكافر...لكن لماذا تنقلب الآية بسرعة ويسارع المواطنون بسلب ونهب مرافق كالجامعات وغيرها ويسعون لتكسير محتوياتها؟ لا نفاجأ أن شاركت قوات الأمن بالسرقة أيضاً فبالتالي السلاح بحوزتها وتفعل ما تشاء بحجة الحماية
جاءت الثورة التونسية كغيرها من الأحداث العربية، عاطفية وليست أكثر من رد فعل وتفجر نتيجة التراكمات الخطيرة...لم يخطط لهذه الثورة ولطريقة التغيير طبعاً..وبالتالي فان الفشل سيكون حليف هذه الثورة خاصة إذا لم تنتبه الأحزاب والقوى الديمقراطية في تونس وأن تنساق مع الموجة فتغرق والشعب التونسي في مياه بحر واحد....!
أخشى أن تجرف الموجه الجميع فلا ينجحون بتأطير الثورة... وبالتالي سيستغل المتطرفون من الداخل والخارج على حد سواء الفوضى وحالة التهيج العارم المسيطر على البلد وأهلها فيأخذون البلد إلى المجهول المرعب...!
إيران والعراق...جرحان ينزفان...يبدو أن مصير تونس كمثيل احدهما....
احتمالان...أسهلهما مر..! ترى أيهما سيتحقق بالنهاية؟
هل سيسمح القائد الأكبر بإيران أو ؟أفغانستان ثانية؟
هل سيبحث القائد فيجد بن لادن ثانٍ؟
لا أظن...فذلك ليس من مصلحة قائد هذا الكون بالمرة رغم أن الاحتمال وارد تماماُ...وان حدث فان الدمار سيلحق بتونس حتماً..فالأرض العربية من المحيط إلى الخليج خصبة وجاهزة ليستغلها الأصوليون المتشددون فيقطفون الثمار مباشرة مع إدراك أن كون تونس لا تخضع للقوانين الإسلامية لا يروق للكثيرين...فهل انتبه الشعب الجائع لذلك؟وهل ستنتبه القوى التحررية لذلك أم أن السعي لمجرد التغيير هو الأهم بغض النظر عن البديل...!؟
الأمر مقلق جداً لأن تجاربنا العربية من خلال الثورات والانتفاضات غير مشجعة أبداً انطلاقاً من خلفياتنا الثقافية والحضارية...فأمامنا دائماً ويلات قادمة هي ما يعطينا إياه التغيير عموماً...فمحاولاتنا للتغيير كما نحن تماماً ردود أفعال عاطفية أنية غير مخططة تكون نتيجتها تنفيذ ضعيف سرعان ما ينقلب على أصحابه الضعفاء.
ضربت الشعوب العربية مثلاً في الانقياد والخنوع على مر الأزمان ولن تكون حلقة الشعب التونسي الحلقة الأخيرة في مسلسل التوريث والتزوير والتمديد الدموي الذي تحول إلى مسلسل مكسيكي مدبلج لن ينتهي قبل أن يؤذي أعيننا بفقاعات صابونه السامة...ولا قبل أن يهدينا مسلسل تركي لا ينتهي هو الآخر.
أتمنى أن يدرك التونسيون وقبل فوات الأوان أنهم ينفذّون خطة منهجية مدبّرة وان لكل دوره المرسوم إن تعدّاه.....فالويل ثم الويل له.....!
وهنا لا بد من التنويه لدور لقوى التقدمية (اليسار)... التي عليها أن تستعيد و تأخذ دورها التاريخي... و تكون بين الجماهير لا بل و تقودها و توجه مسارها لا أن تقف موقف المتفرج أو المنتظر أو المتآمر على مصالح الجماهير
ها هي تونس تدفع الثمن اليوم وتدخل باب كازينو اللعب والرعب من باب يعطي شرعية التدخل والدخول من أي شباك أو فتحة للقائد الأكبر بحجة الحماية والدفاع فيسارع التونسيون والعرب عموماً بفتح بقية الأبواب لتسهيل مهمته المقيتة...لنندم حين لا ينفع الندم....!
ها هي تونس الخضراء تتحول إلى تونس الحمراء بلون دم شهدائها الأبرار...!
وكما بدأت مقالتي بكلام الخالد محمود درويش أنهيها بكلامه أيضاً...إذ كان بقمة الذكاء والمحبة للحياة والبشرية حين كتب "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" فقد انتبه لخطورة إعطاء الحق للتضحية بالحياة كوسيلة لم تثبت نجاحاً في تحقيق الأهداف والتحرر الحقيقي وما نحصل عليه في النهاية هو زيادة في القهر وارتفاع في عدد الشهداء..الأيتام..الأرامل والثكالى ليس ليبقى الوضع على ما هو عليه بل ليسوء أكثر وأكثر.
إذن فربما قد حان الوقت لندرك ونعي أنه لا بد من إتباع طرق وأساليب مدروسة مخطط لها نصل معها إلى التغيير المنشود الذي نضمن معه ومن خلاله حرية الشعوب واستقلاليتها الفعليّة والحقيقية.
تونس الغالية...دمت أبية وحرة.
وإذا الشعب يوماً أراد الحياة....لا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي...وللقيد أن ينكسر
مقالات في كلمات
قبل أن نعرف كيف ننجو..لا بد أن نعي بادراك تام...
مما/ممن علينا أن ننجو...
حينها قد ننجح بإيجاد السبل إلى طوق نجاتنا...
فلا نتمسّك بقشة تقدر بهشاشتها وضعفها أن تغرقنا....فتبتلعنا حتى حوريات البحر....!
عيلبون13/01/2011
