وفد من القوى الوطنية في الطائفة العربية الدرزية بزيارة تضامن ودعم لأهالي القدس المحتلة
- السمسرة والفساد ودبّ الفتنة والكذب والجُبن عن قول كلمة الحق، كلها تتناقض مع قيم الدين، مثلها مثل القتل. السمسرة على الأرض تقتل قتلا بطيئًا أجيالا كاملة، فكيف يصحّ الا يُدان الكذاب والنمّام والسّمسار، والمتعيش على حساب تزييف التراث والحقائق الدّامغة، وينحصر الأمر في تضييق الخناق على النساء ومنع الفَرَح وكأن ذلك دفاع عن حياض الشرف
أكتب هذه الكلمات بدافع من الأمل والثقة والمسؤولية والقيام بجزء من الواجب، بعد أن صار الموضوع مطروحًا من قبل الحياة نفسها ومن الكثيرين. والموضوع هو هذه المنشورات المتلاحقة والتحذيرية للنساء وقوائم المنع والممنوعات وكذلك العقاب للمخالِفات هُن وذويهن.
فما معنى منع الفتاة من سياقة سيارة ونقل والدها أو والدتها معها!! ألم تفرض الحياة ان تكون السيارة جزءًا من ضروريات الحياة وليس من الكماليات، فلماذا تُمنع المعلمة والموظفة والأم من الانتقال إلى مكان عملها البعيد أو نقل أطفالها إلى المدرسة والحضانة والعيادة..؟ أين المَسّ بالعِرض والشرف هنا!! هل المشي في الشوارع وفي مختلف حالات الطقس أفضل!!
أذكر في طفولتي أن مشايخ الدّين حرّموا الموادّ الغذائية التي كانت تبيعها الدولة أيام التَّقنين، من سكّر وأرز وقهوة، وحلّلوا هذه المواد المهرّبة من لبنان!! فماذا كان مصير هذا المنع!! لأن الحياة فرضت نفسها والظروف فعلت فعلها، فاندثر هذا المنع صاغرًا!!
وفي نفس الوقت حُرّم الأكل والشرب يومها من عند الموظّفين لأن مال الدولة هو مال الظَّلَمة كما قالوا. صحيح ان هذا المال مشبوه فهو من الضرائب الظالمة والربح الفاحش. لماذا جرى التخلّي عن هذا الموقف!! لأن الحياة وضعت ثقلها.
في يوم من الأيام حُرّمت مخصصات التأمين وانتشر القول: دفع الضرائب حلال، أما الأخذ فهو حرام محض وأظن ان الدولة ومؤسساتها ومؤسسة التأمين الوطني ابتهجت جدا بهذا الموقف المُربح، فلماذا تغير الموقف اليوم وأنا مع هذا التغيّر طبعًا، أليس بسبب مسايرة الأيام والمتغيرات!! وحساب الربح والخسارة فالمخصصات حَقّ.
لا أريد ان أتوقف كثيرًا في موضوع الملابس من قمة الرأس إلى أخمص القدم، لكنَّ أمورًا عديدة أصبحت مدعاة لإعادة النظر.
وهذا المنع من مرافقة الزوج للإذن السنوي أو بدل الاستحقاقات الاجتماعية إلى الفنادق داخل البلاد هل هذا يتماشى مع ابسط القيم والواجبات الأسريّة والعائلية!! هل الأزواج وكل الذكور منزّهة عن "الذنوب" بحسب شرحكم، أما الويل والثبور فهو على النساء، على هذا الجنس الذي تستضعفونه وتتمرجلون عليه!!
ويبدو ان كلمة مرجَلَة مصدرها "الرَّجُل" وعليه ان يتمرجل. إن كلمة "زوجة" تعني في جوهرها ولفظها المساواة، وكذلك شريكة الحياة. في بلدان آسيا الوسطى كان يُطلق على الزوجة والابنة "العاجزة" ويعزمون على عرس "العاجزة" ولدينا الكثير من التعابير الديناصورية البائدة التي تحط من قيمة المرأة كانسان بينما هي من أقوى المخلوقات كأم، ومن أجمل المخلوقات ونصف المجتمع، والجناح المساوي تمامًا لان الطير لا يطير الا بجناحين ويجب علينا تقديرها واحترامها.
في عدد من قرانا لا توجد مكاتب عمل، ومنها قريتي، فيضطر عدد من النساء والفتيات للسفر إلى كرميئيل للتسجيل، ألم يكن الأجدر بكم ان تضغطوا من اجل فتح مكتب عمل في القرية!! هل هذا الأمر من المعجزات!! كيف تحرّمون تعليم الفتاة في الجامعة مثلا – كما كان – وتحللون عمل مئات النساء في الأعمال الزراعية من وسط البلاد إلى شمالها، في عملٍ مُرهق وبأجور بخسة، وأنا طبعًا لست ضد العمل، بل احترمه، واحترم العاملات جدًا. ألا تشعرون ان هنالك تناقضًا يصطدم مع النّوايا والأهداف التي تتوخّونها!!
كم أود ان اسمع منكم طلبًا جماعيًا بفتح مصانع ومشاغل في القرى تستطيع ان تستوعب مئات ومئات العاملات، واللواتي عليهن واجب المساهمة في إعالة النّفس والأسرة، فالعمل سبب الحياة، والعمل شرف، وتكاليف الحياة باهظة جدًا كما تعرفون، والأرض صودرت، ومخالفات البناء خيالية. وأثمان المياه والكهرباء في العلالي، ومعظمكم وقف إما صامتًا أو مؤيدًا لخصخصة المياه، وأنتم مشغولون وللأسف الشديد بتكبيل المرأة لتبقى عاجزة، عالة، بلا شخصية، ومستجدية وهامشية ومظلومة ومضطهَدة إلى آخر قائمة الظُلم والظلام، هل هذه مكافأة للام والزوجة والابنة...
مرّة حرّمتم ان تلد النّساء في المستشفيات، وكم من أم "والدة ماتت على الجورة" أي وقت الولادة عند الدّاية القرويّة المحترفة. جاءت الحياة وضربت هذا التحريم في الصميم، لم اسمع منكم طلبًا بإقامة مستشفى قريب!!
هل تحريم الفَرَح في الأعراس هو من أولويات الواجبات!! كنا نرى مشايخ الدّين يخرجون من الصلاة إلى التفرج والمشاركة في سهرة العرس والتعليلة منهم من يدبك ومن يسحج ومن يتفرّج، فما عدا ما بدا اليوم!
هل كان مشايخ تلك الأيام أقل تُقى وورعًا، وهل الوضع اليوم على أتمّ ما يرام!! ألا يسبب ذلك غصّة حزن لأهل الفرح!!
تريدون معلمات أو طبيبات "محليات" وغير محليات وقد مانعتم تعليم الفتيات، وحتى عندما سمحتم وضعتم شروطًا للنوم والعودة إلى القرية، ومع ذلك قررتم مِنَحًا دراسية للجامعيّات اليوم، الشطر الأخير جيد جدًا، ويتناقض مع القسم الأول السّلبي جدًا. وهنالك العديد من بنود المنع مثل سلام اليد بيد، والسؤال من ينفذ مثل هذه البنود القاسية والمناقضة للحياة والعلاقات الإنسانية والأهلية، وهي اتهام لسوء النيّة للجميع!!
أقترح عليكم ومن باب الاحترام والتقدير والمصلحة العامة عقد مؤتمر ليس فقط لرجال الدّين والبحث في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية وحتى الروحية من منطلق الرؤيا الحقيقية وبُعد النظر، فإذا أردت ان تُطاع أطلب المستطاع، ولتكن النّظرة نظرة علمية لأن هذا لا يتناقض مع قيم الدين بتاتًا، ومن أجل وضع بنود وتوصيات تكافح البطالة والعنف والفساد الاجتماعي، والمخدّرات، والفراغ الذي يجلب المفسدة. الأجيال الشابة محرومة من النوادي الثقافية والنشاطات الرياضية والاجتماعية وتعيش في تسكع وفراغ الأمر الذي يشجع الجريمة.
أما كان الأجدر بحق وواجب العودة لعيد الفطر السعيد الذي صودر منا!! ومصادرة الهوية والأصل والانتماء تماما كانتماء آبائنا وأجدادنا بعيدا عن اللعبة السياسية الخطيرة التي مورست وتمارس ضدنا بشكل يتناقض تناقضًا صارخًا مع الحقيقة.
متى كانت المقدسات مسرحًا سياسيًا تحريضيًا، متى كانت المقدّسات أمكنة للاحتفالات العسكرية وقَسَم اليمين!!
متى كان التلاعب بتاريخ المناسبات الدينية والروحانية بشكل يتلاءم ليس مع الحقيقة، بل مع من يريد تزييف هذه الحقيقة!! وضرب معتقداتنا!!
هذا هو الإيمان الحقيقي والجوهري، وليس تسييس التراث الأصيل وتشويهه، لمآرب سياسية خبيثة، أقول هذا الكلام ليس ضدًا بكم أبدًا، بل من اجل الا تحمّلوا ذمّتكم ووجدانكم ذنوبًا لا يستهان بها وبخطورتها. ان المحاضرات الدينية المكثفة وبعضها ابعد ما يكون عن القيم الحقيقية، لا تحل المشكلة أبدًا. هنالك واقع مُرّ ومرير يجب إصلاحه بشكل جذري في مجالات التوجّه، والعلم والعمل والتربية والأخلاق والعلاقات الاجتماعية، وانتم لكم وزنكم وثقلكم في المجتمع، والأمل وطيد جدًا ان يُستثمر هذا الوزن من اجل مجتمع سليم إنساني، حُرّ، شجاع في قول كلمة الحق والدفاع عنها. هذه هي صفات المؤمن الحقيقي وما تبقّى يندرج إما في الأمور الشكلية وإما تنفيذًا لمخطط خبيث لم يُرد ولا يريد لنا الخير. وقد ضربتم أحيانا مثلا رائعًا في التصدّي لهدم البيوت ومصادرة الأرض، وأخيرًا بودي ان اكشف لكم ان الغالبية السّاحقة من رجال الدين الذين التقي بهم ومن مختلف الأجيال ومختلف القُرى – ولي الشرف أن التقي بهم – تؤيد غالبية ما أشرت إليه وتتندّر على المبالغة والانشغال الفظيع بالتضييق الخطير على النساء، الأمر الذي له أبعاد اجتماعية في غاية السلبية.
وأنا متأكد انكم تنوون الخير، واثق بذلك، لكن الخلاف على الطريق، وعلى الجوهري، وعلى العلاج، والوقاية قبل العلاج.
وأنا متأكد ان السمسرة والفساد ودبّ الفتنة والكذب والجُبن عن قول كلمة الحق، كلها تتناقض مع قيم الدين، مثلها مثل القتل. السمسرة على الأرض تقتل قتلا بطيئًا لأجيال كاملة، فكيف يصحّ الا يُدان الكذاب والنمّام والسّمسار، والمتعيش على حساب تزييف التراث والحقائق الدّامغة وينحصر الأمر في تضييق الخناق على النساء ومنع الفَرَح وكأن ذلك دفاع عن حياض الشرف.
كما أشير بأسف إلى هذا الانقسام بين رجال الدين من الشباب والآخرين، وانعدام الوحدة حتى في الصلاة معًا، ويندرج هذا على الفتيات ان هذا لا يقدم مثلا يحتذى أبدًا، هنالك قطيعة إلى حدٍ بعيد وحتى مناكفة.
ثم هذا الاتفاق على إطلاق الرحمة، قولوا لي ما الفرق بين "الله يرحمه ويبقيكوا" وبين "له الرحمة ولكم من بعده طول البقاء"!! بالعكس التعبير الأخير فيه معنى التأكيد وحتى إعطاء الأوامر. كما ان الرحمة وطلبها هي أمر مستقبلي يجب ان تطلق على الجاهل وعلى من عليه "ذنوب" بحسب رأيكم، اما التقي ذو الأعمال الخيّرة فهو مرحوم بأعماله الحسنة.
وأنا اربأ بكم أن تصبح قراراتكم مناسبَة للتندُّر والاستخفاف. وأقول ذلك من منطلق الغيرة، والتقدير لكم كجزء هام ومؤثر في المجتمع، وقد عملتم الكثير الكثير من الأعمال الإنسانية الهامة، ووقفتم مواقف بنّاءة في إصلاح ذات البين. وأشارك وبشرف في لقاءات دورية مع عددٍ من المشايخ الأجلاء نطرح فيها ما نراه ايجابيا وفي جو من الإصغاء والحوار الأخوي. حبّذا لو تطرح مثل هذه المواضيع لتبادل الآراء من اجل مصلحة وشهامة وشرف الأهل، ومن اجل المساهمة في صُنع نسيج اجتماعي معافى وسليم وصحّي. مع أمنيات التوفيق، والاحترام.
