تنادت كوكبة من صبايا الحي عشيّة ذلك اليوم، افترشن الحصر تحت التينة الضخمة الكبيرة التي غطت مساحة واسعة من المكان، والقت بفروعها المتشعبة والطويلة نحو الأرض لتكون خيمة طبيعيّة وارفة الظلال، تتفيأ بظلالها العائلة في النهار وفي ليالي الصيف الحارة مرقدهم الصيفي.
شرعن بتنفيذ مهمة شعرن ان واجب الصداقة يملي عليهن بتحضير وسائل التجميل من جبل الحناء وصبغ العقيدة في ليلة الزفاف.
وعلى شعاع القمر الذي يتسرب من بين اغصان التينة كانت خديجة رهن إرادة الصديقات سكوتة مستسلمة فأخذن بطلاء الشعر بالحناء ثم تناولن اليدين ومرغن الكفين والاصابع، كذلك فعلن بالقدمين وفي هدأة الليل وسكونه وصفاء السماء وتحت الكواكب السيّارة التي تتلألأ من بعيد بزهو وبهور وبصوت خافت وخفيف وعلى إيقاع الدف الخفيف انطلقت احداهن تغني:
"سبل عيونو ومد ايدو يحنونو خصرك رقيق بالمنديل يلفونو"
وبصوت ناعم رفيع اخذت تهاهي:
"اوّيها بحنّا مكّة جينا نحنيكي اويها يا بدر ضاوي والحلى كلو ليك"
وعلى ضوء القنديل الأصفر الباهت جاءت مهمة تنظيف الساقين من الزغب "بالعقيدة" وما فوق الساقين حتى الابطين والوجه والجبين ولم يسلم الحاجبان من الترسيم ليكونا كخط قلم شديدي السواد وعند الهزيع الأخير من الليل تركنها تسيح في بحر احلامها وتخيلاتها، نشجت خديجة نشيجا خفيفا واغرورقت عيناها بالدموع عندما طلب منها خالها في ضحى ذلك اليوم الصيفي الحار والقائظ للنهوض ومرافقته كما تقتضي العادة والتقاليد من الخال ان يفعل تلكأت في النهوض وكانت ترغب وتود لو يسمح لها ان تكون الصمدة والزفاف في بيت والدها وليس في بيت خالها.
قرأ خالها واحس ما كان يدور بخلدها وما يخالجها من هواجس وتوجّس وما تنطوي عليه ثناياها من مرارة وخوف.
انطلقت من جدّتها الجذلة والمغتبطة زغرودة قوية، ولم تعبأ لأحاسيس خديجة الحزينة - اتبعتها صديقاتها بالزغاريد – تواصل صداها ليصم آذان ابن العم.
كانت المرتبة معدة للصمدة- عالية ومرتفعة من فرشات عديدة من الصوف. وعلى إيقاع الدربكة والدف اخذت الأغاني تصدح وتتماوج وتتناغم مع إيقاع شبابة طه الميعاري– عندما صعدت على المرتبة بزهو فائق وبهاء باهر وتوهج ساحر، وجمال اخاذ، وهي ترتدي ثوب الزفاف ناصع البياض والاكليل يزين جبينها، ليزيدها تألقا وصفاء، والطرحة الحريرية الخفيفة الشفافة الناعمة المنسدلة على منكبيها.
اويها يا قاعدة على المرتبة قعدة البنّى
اويها والكحل بعيونك زقفتلو غنّى
اويها : ويلي عن اللوج ميلي، والصمدة صمدة اميري
اويها: ويلي على اللوج العالي- والصمدة صمدة غزالي
خديجة فتاة جاوزت العشرين من عمرها – سمراء اللون – متوسطة القامة – ممتلئة الجسم- في صدرها تفاحتان مكتنزتان عينان سوداوان نجلاوان أخاذتان –واهداب طويلة سوداء – وجهها اسيل عليه مسحة من ابتسامة دائمة- مع غمازتين على الوجنتين ثغرها واسع – اصطف فيه سلسلة بيضاء كحبات اللؤلؤ وشفتان مزمومتان وجبين عريض وواسع – شعرها اسود منسدل على الظهر حتى الردفين- اختمرت خمارا اسود حريريا من ماركة (نسيم الخوري) الشهيرة – هي المولود البكر لوالديها.
شاء القدر ان تقع بين يدي جدتها الكهلة التي تكفلت برعايتها واخوتها لغياب والديها وانغماسهما في العمل لتحصيل لقمة العيش- اهتمت جدتها ان ترعاها رعاية خاصة واحسنت تربيتها واتقنت تدريبها على الخبيز على الصاج والطابون وابدعت في الخبيز فصار حجم رغيف الخبز الكبير حديث النسوة في الحي- علمتها الطهي بشتى أنواعه من المجدرة حتى المغربية ونقر الكوسا والباذنجان فأصبحت طباخة ماهرة وملمة إلماما كاملا بشغل البيت. وعندما اجتازت مرحلة الطفولة راحت تغدق عليها النصائح فتسديها لها صباح مساء "الزمن قلع اسناني يا بنتي يا خديجة فديري بالك يا حبيبتي- البنت العاقلة الصالحة والفالحة واللي سمعتها طيبة بترفع رأس أهلها وعائلتها والشباب يتراكضوا ليخطبوها ". ابدعت خديجة في أشياء كثيرة جرتها التي تملأها من عين البلد البعيدة كانت اكبر الجرار بين قريناتها وسلة القرامي – حملة الحطب من عيدان السنديان- والقيقب والسريس والبطم كانت الأكبر من كل السلال والحملات برعت عن طريق جدتها في التطريز بأشكاله المختلفة، الفلاحي، والبداوي، وحياكة المكوك للمناديل والنول- وحياكة الطواقي – والاغطية للطاولات كما اتقنت البدي من قُبَع واطباق ومساند وسلال ومكافي من قش الحصيد
عاد ابن عمها من الغربة بعد غياب طويل مخفقا خائبا في وقت تهافت الشباب في طلب يدها من والدها فالصبايا في القرية لا يعرفن من الحب واذا ما وقع يبقى سجينا في الثنايا يخفق في شفاف القلب ويسبح في بحر الروح في أعماق مكنونتها لا يتعدى استراق نظرة او بسمة باهتة خفيفة اما السلام والكلام والموعد واللقاء ،فهذا من الكبائر والممنوعات ومن الجرائم التي لا تغتفر، كانت في ذاكرتها تقرر دائما نصيحة جدتها "اياك ثم اياك ان تقعي في مطب هناك في البلد من الصبايا اللواتي انزلقن فتركن العار والشنار على والديها وعائلتها، كانت خديجة تطمح ككل الصبايا في القرية ان تختار فارس احلامها او لو تشارك في اختياره ولكن هيهات وهيهات.
"اخترت لك شابا يا خديجة من بين الذين تقدموا يطلبون ايدك حاله على قد حالنا" وظل ابن العم يتوعد ويتندر ويهدد، كانت فرصتها الوحيدة ان تراه عندما جاء الشيخ ليكتب كتاب القران – اخذت الشمس تسير مسرعة نحو الغروب وهي تبعث اشعتها نحو البحر تهادى لسماع الخال والأب أصوات تصدح تتناغم مع صوت مجوز عمو حسن، وشبابة طه الميعاري- وايقاع الدف والدبكة ومع وصول الفرس المسرجة بسرج متقن وخاص للعروس، اخذت الفرس تصهل ليتناظم صهيلها مع اهازيج الصبايا اللواتي يرافقن الموكب الذي جاء لاصطحاب العروس الى بيت العريس، ادركت خديجة ان الساعة ازفت خلعت ما بمعصميها وعنقها من حلى وذهب واودعته لعرافتها حارسها الوفي علت الاهازيج:
قومي اركبي يا زينة والخيل تمصي عرق وخلعت الخال جبنا ذهب ما هو ورق
انهال النقوط على العروس وراحت الشبينة العرّافة بصوتها القوي خلف الله عليك وهذا نقوط للعروس محبة لراس اخوك وابوك والنبي مين احب عليه.
اخذت خديجة تجهش بالبكاء وكأنها في مأتم. اسى الفراق والتوجس مما تخبئه السويعات القادمة رفضت باصرار إلّا ان تعود الى بيت والديها لتكون الطلعة من هناك اردف عليها خالها عباءته النفيسة الطاهرة العجمية الحريرية فتعالت الاهازيج من جديد لتغمر الساحة بالفرحة والسرور.
واسمح لينا يا صاحب العلالي واسمح لينا ناخذ الغزالي
واسمح لينا يا صاحب العقوده واسمح لينا ناخذ المصمودي
اعتلت خديجة صهوة الفرس ورفعت يدها اليمنى بالقفازة البيضاء الحريرية تقدم الخال وامسك بشكيمة الفرس طويل القامة قوي البنية وذراعان كالرمح انتظمت كوكبة من شباب العريس لتقدم موكب العروس- كاد الموكب يصل بيت والدها ومن احدى الزوايا لاحد البيوت وعلى الشارع انقض ابن العم كالوحش الكاسر والثور الهائج على موكب العروس عملا بمقولة ابن العم ينزل العروس عن ظهر الفرس وفي بيت ابوها انهالت المباركات من جديد ومع انتهائها عادت الاهازيج تصدح.
يابي العروس ما تكنش عبوسي واسمح لينا واعطينا العروس
وفي الطريق لبيت العريس والدف يضرب المجوز يصول ويجول بانغامه والموسيقى الساحرة اخذت الصبايا يغنين
جينا وجينا وجينا جبنا العروس وجينا
وهكذا ظلت مقولة ابن العم بنزل عن ظهر الفرس مقولة هراء خاوية وجوفاء.
