يتميز الرد الحكومي الاسرائيلي على قرار اليونسكو الأخير بكثير من الانتفاخ الذاتي والقليل القليل من السياسة بمفهومها الفاعل المُغيّر. هذه الهيئة الدولية المؤلفة كغيرها من قوى سياسية مختلفة، اتخذت قرارا يشكك بوجود علاقة بين ساحة البراق-"حائط المبكى" وبين الديانة اليهودية. وهنا سارعت الحكومة الاسرائيلية بجميع مركباتها الى مهاجمة اليونسكو بل أعلن نفتالي بيبيت، الوزير الأصولي المتطرف عن حزب المستوطنين المركزي، قطع علاقات العمل مع المنظمة. هذه الردود الاسرائيلية هي كرصاص طائش في هواء الدبلوماسية الدولية. فبماذا ستفيدها؟ لا شيء.
من المهم التأكيد أنه سيظلّ أفضل وأسلم ابقاء مسائل الحسم بقضايا دينية في اطرها الملائمة، الايمانية والدينية وليس السياسية، عملا بفصل الدين عن السياسة، والسياسة عن الدين! ولكن لا يمكن هنا لأحد تجاهل أن حكومة اليمين المتطرف الاسرائيلي تجني ما زرعته وتزرعه منذ سنوات.. نقصد تصعيد السيطرة الاحتلالية-الاقصائية في المدينة بغطرسة وتعصب، وتحويل الخطاب حولها من سياسي الى ديني الطابع بشكل مغالٍ. هذا حدث بسبب نهج اخراج الموضوع من سياق السياسة؛ رفض اعتبار القدس ملفًا للتفاوض واعتبارها "عاصمة موحدة أبدية"، وكأن الأبدية خاضعة لأيدي مهاويس الصهيونية..؛ ضم الجزء الشرقي المحتل من المدينة بشكل أحادي متغطرس، ورفض اي حضور وحق سيادي وسياسي فلسطيني فيها. هكذا تم حشر الجدل في "الديني"، وهو الذي يجب كما قلنا أن يبقى بعيدا عن السياسة عموما، بكل مستوياتها!
وفي باب السياسة، ما يجدر الالتفات اليه هو أن حكومة الكوارث الاسرائيلية لم تجرؤ بالمرة على انتقاد دول دعمت القرار، مثل روسيا والصين؛ وأخرى امتنعت عن دعم
موقف حكومة اسرائيل مثل فرنسا والهند. فوزراء الجعجعة الاسرائيليون صمتوا كالأصنام عن ذكر المصوّتين وهاجموا اليونسكو عمومًا.. هاجموا القرار وليس من اتخذه وساعد في اتخاذه. الأمر يفوق لعب الصبية طبعا.. فهذه هي حدود القوة المستعلية عادة بشكل مثير للاشمئزاز!
بقي أن نشير الى ضرورة الانتباه للدول التي وقفت مع المقترح الفلسطيني والعربي، وتلك التي عارضته. الولايات المتحدة وبريطانيا في صف اسرائيل - وروسيا والصين في صف فلسطين.. هذه هي المعادلة. ويمكن التفكير طبعًا بالأمر في سياق قضايا عربية أخرى. مثل سوريا واليمن. فمن يتهم روسيا بأبشع الاتهامات يجدها معه في القضايا التي تخص القدس وفلسطين. بينما لا يجد تلك الدول التي تنهب خيرات العرب وتستغلهم وتحمي العائلات الحاكمة عليهم دون قرار شعبي ولا حق ديمقراطي - مثل أمريكا التي وفرت وما تزال توفر كل الدعم للاحتلال الاسرائيلي في كل حالة وكل وقت.
