وصلتُها ولم أعُد إليها: المثقّف الفلسطيني في أراضي 48 بين قُدسيّة القضيّة وأزمة الهويّة

A+
A-
هوية وانتماء واضحان في الجغرافيا والتاريخ – صورة من إحدى مسيرات العودة

هوية وانتماء واضحان في الجغرافيا والتاريخ – صورة من إحدى مسيرات العودة

قال الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور بعد زيارته الأولى إلى مدينته الأمّ حيفا صباح يوم أحد من العام 1996: «وصلتُها ولم أعد إليها». لم تكن هذه الجملة توصيفًا جغرافيًا بقدر ما كانت تشخيصًا لحالة وجودية: حضور بلا اعتراف، وصول بلا اكتمال، وعودة تُفرَّغ من معناها فورَ تحقّقها. هذه العبارة، بكلّ كثافتها الرمزيّة، تتجاوز اليوم سياقها الأوّل لتَصِف تجربة المثقّف الفلسطيني في أراضي 1948، في علاقته بالمكان وفي علاقته بالفضاء العربي الذي يُفترض أنّه امتداد طبيعيّ لقضيّته.

ما جرى مؤخّرًا مع عدد من فنّاني وكتّاب الداخل الفلسطيني، الذين مُنعوا من دخول مصر من أجل حضور معرض القاهرة الدولي للكتاب للعام 2026، يعيد إنتاج فكرة الوصول بلا دخول، والحضور الذي يُلغَى عند العتبة. فبعد اندلاع الحرب الأخيرة على غزّة، الحرب التي لا تنتهي، امتنعت مصر عن منح فلسطينيّي الداخل تأشيرات دخول إلى أراضيها، وربطت الأمر بإصدار جواز فلسطيني مؤقّت تمنحه السلطة الفلسطينيّة بعد موافقة أمنيّة تُحدّدْ من يستطيع أن يكون إسرائيليا وفلسطينيا في الوقت نفسه. غير أنّ هذا المسار، بما يحمله من التباس في التمثيل والهويّة، لم يكن كافيًا. فقد أُعيد أربعةُ مثقّفين وفنّانين من مطار القاهرة بعد وصولهم إليه. وصلوا مصر، ولم يدخلوها لأن جوازهم فلسطيني.

كلمة «رجّعوهم» التي وُصف بها ما حدث، لم تكن بريئةً بالنسبة لي. فاللغة لاتّساعها، مُتّهمة بجميع الدلالات الممكنة، وهي تنتمي في هذا السياق إلى الحقل الأمني أكثر ممّا تنتمي إلى الحقل الثقافي، وتحوِّل المثقّف الفلسطيني في الداخل إلى حالة مشتبه بها، لا إلى صاحب معرفة أو خطاب. في هذه اللحظة، لا يُعاد الأفراد فقط، بل يُعاد تعريفُ الثقافة نفسِها بوصفها خطرًا محتملًا، لا فعلًا إنسانيًا جامعًا، وإعادة تعريف الفرد الفلسطينيّ في الداخل ضمن السياق العربي المعاصر بوصفه إشكالًا إجرائيًا، أو عبئًا قانونيًا، أو حالة يجب ضبطها والتعامل معها بحذر. يتحوّل الفلسطيني من ذات تاريخيّة وثقافية إلى ملفّ، ومن إنسان إلى وثيقة، ومن مثقّف إلى موضع شبهة، ليُفرَّغ بذلك، الانتماء القومي من بُعده الإنسانيّ، ويُعاد إنتاج الفلسطينيّ لا كصاحب رواية، بل كموضوع للمنع أو الإرجاع أو الاستثناء.

يُعرف الجواز الفلسطينيّ المؤقّت في مصر اصطلاحًا باسم “الجواز المصفّر”، في إشارةٍ شكليّة إلى أنّ رقمه يبدأ بصفرين. غير أنّ هذه التسمية، على بساطتها الظاهريّة، ليست بريئة تمامًا من الدلالة، ولا محايدة كما قد تبدو. فاللغة، في هذا السياق، تصف الواقع وتشارك في إنتاجه وتكريسه.

صودرت جوازات السفر المُصَفّرة، وصدر أمر بإيقاف الطائرة التي أقلّتهم من عمّان إلى مصر، ليُعادوا على متنها من دون وثائق سفر. إجراءٌ قاسٍ، صاحبَتْهُ لغةٌ أكثر فداحة. فعند وصولهم إلى مطار عمّان، سُمع رجال الأمن يسألون: “وين المُعادين؟”. وهنا، للمرّة الثالثة، تفقد اللغة حيادها المزعوم.

فلو كان الحديث عن شخصٍ واحد، لكان الوصف “مُعادًا” واضحًا ومباشرًا، لا لبس فيه. أمّا حين تُستخدم الصيغة الجماعيّة، فإنّ المعنى يتجاوز الوصف الإجرائي ليحمل إيحاءً بالعداء ذاته. كأنّ الجماعة، بذاتها، تصبح حالة تُواجَه بالرفض والاشتباه، لا أفرادًا خضعوا لإجراء مؤقّت. وهكذا، تتحوّل اللغة من أداة نقلٍ إلى أداة إقصاء، ومن توصيفٍ إداريّ إلى حكمٍ ضمنيّ على الهويّة الجماعيّة.

تراجعتُ عن فكرة السفر إلى مصر هذا العام، رغم حصولي على جواز سفر فلسطينيّ مؤقّت على أمل حضور ما يتيسّر من فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب. كان الامتناع قرارًا شخصيًا وإدراكًا بأنّ الوصول، في مثل هذه الحالات، لا يعني بالضرورة الدخول، وأنّ التجربة الفرديّة ليست معزولة عن السياق الأوسع الذي يُنتجها.

ثمّة مشهد قررتُ الحديث عنه بصراحة، مشهد أكثر التباسًا وأشدّ إيلامًا، يستحقّ التوقّف عنده: مشهدنا نحن الكتّاب والمثقّفين الفلسطينيين في الداخل ونحن نتحدّث عن المشاركة في معرض القاهرة تحديدًا. فمَن يصل القاهرة ويحضر المعرض يعود غالبًا محمّلًا بحالة نشوة، كأنّه عائد من انتصار كبير. يروي الحكايات، ينشر الصور، ويُشير إلى الزيارة بوصفها إنجازًا استثنائيًا. غير أنّ هذه النشوة، حين أقرؤها بهدوء، تثير الشفقة لديّ أكثر مما تثير إعجابي، لأنّها تكشف حجم الفجوة بين توْقِنا إلى الاعتراف، وضآلة ما نُمنَح فعليًا منه. فالواقع أنّ المعرض، حتّى حين نصل إليه، لا يعترف بنا اعترافًا كاملًا، بل يضعنا في هامشٍ منظّم، أو خارج الإطار الرسمي تمامًا.

تتجسّد هذه الحقيقة في تجربة عاشتْها كاتبة صديقة، سافرْنا معا إلى القاهرة عام 2021 بجوازاتنا الإسرائيلية طبعا بعد حصولنا على تأشيرة دخول (فيزا) من السفارة المصرية. هناك تمّ التنسيق بينها وبين دار النشر التي نشرتْ إصدارها الأخير، لتنظيم توقيع على أرض المعرض. غير أنّها أُبلغت لاحقًا بإلغاء التوقيع، بسبب قرار منْع حمَلة الجوازات الإسرائيليّة من المشاركة في النشاطات الرسميّة للمعرض ولا سيّما داخل فضائه (هذا ما قاله لنا المسؤول عن التواقيع داخل المعرض). وكمحاولة تعويض، إن صحّ التعبير، جرى الاتّفاق مع شخص يعمل في الصحافة الثقافية على إقامة التوقيع في السفارة الفرنسية في مصر، أي خارج أرض المعرض، وهذا الشاب هو من سيحاورها. وافقت صديقتي، لكنّه اختفى في يوم التوقيع نفسِه، ولم يردّ على الاتصالات، لينتهي الأمر بلا توقيع، بلا اعتذار، وبلا تفسير. منعٌ مباشر، ثمّ التفاف على المنع، ثمّ اختفاء، في سلسلة تكثّف شكل التعامل مع المثقّف الفلسطيني؛ حضور مشروط، وغياب غير مُبرَّر.

مع ذلك، لا نتردّد في زيارة معرض القاهرة كلّما استطعنا إليه سبيلًا. لماذا؟ ربّما بسبب تعطّش عميق للانتماء إلى الفضاء العربي، تعطّش لا يمكن فصله عن كون الأدب الفلسطينيّ نفسه وُلد فعلَ مقاومة لكلّ أشكال العزل التي فرضها الاحتلال. نذهب إلى المعرض لا لأنّه يعترف بنا، بل لأنّنا نحتاج إلى أن نُصدِّق، ولو مؤقتًا، أنّنا جزء من هذا الفضاء، وأنّ لغتنا ليست محاصرة كما جغرافيّتنا.

هذه التجارب الفرديّة تكشف مشهدًا جماعيًا مركّبًا يعيش فيه المثقّف الفلسطيني في أراضي 48 حالة دائمة من التعليق؛ هو في قلب القضيّة جغرافيًا وتاريخيًا، لكنّه على هامشها ثقافيًا ومؤسساتيًا. تُقدَّس فلسطين بوصفها فكرة، بينما يُنظر إلى الفلسطيني الحيّ، المعقّد، صاحب الهوية المفروضة والوثائق الإشكاليّة، بوصفه إشكالًا ينبغي احتواؤه لا الاحتفاء به.

وهنا يؤرّقني سؤال الشرعيّة؛ أيّ شرعية نبحث عنها؟ ولماذا نصرّ على طلب الاعتراف من مؤسّسات لا تستطيع، أو لا تريد، التعامل معنا خارج منطق الاستثناء؟ الشرعيّة التي لا تُنتَج من داخل الفعل الثقافي نفسه تبقى هشّة، وقابلة للسحب في أيّ لحظة. أمّا الشرعيّة التي تُبنى عبر مأسسة العمل الثقافي المحلّي في الداخل، وتراكمه واستقلاليّته، فهي وحدها القادرة على فرض حضورها، لا التوسّل إليه.

في المحصّلة، يعود سؤال أحمد دحبور بصيغة أكثر قسوة؛ ماذا يعني أن نصل ولا ندخل؟ وكيف تتحوّل القضيّة، في لحظة ما، إلى فكرة مُقدّسة، بينما يُترك أصحابها في مواجهة المنع والالتفاف والتجاهل؟ إن لم تُستَعدْ القضيّة كقضية إنسان قبل أن تكون شعارًا، فإنّ قدسيّتها نفسها تصبح مهدّدة، لا لأنّ عدالَتها موضع شكّ، إنّما لأنّ إنسانها يُستبْعَد باسمها.

بعد كلّ تلك الأسئلة، نعود لسؤال الوجود الأصعب في واقع احتلال لا يعترف بحقّنا فوق أرضنا ولا يرغب بوجودنا فيها. وفي الفضاء العربي، يُواجَه حضورنا الثقافي باعتراف جزئيّ ومشروط. بين هذين الموقعين تتشكّل أزمة الهويّة بوصفها حالة عيش دائمة في منطقة معلّقة، حيث لا تستقرّ الذات ولا يكتمل تعريفها. الفلسطيني هنا يتحرّك بين سياقات تُطالبه بالتمثيل دون تمكين، وبالانتماء دون اعتراف كامل، فتتحوّل هويّته من معطى ثقافيّ إلى سؤال مفتوح، لا يُحسم بالانتماء ولا بالوصول.

عندما أتابع من بعيد فعاليات معرض القاهرة الدوليّ للكتاب لهذا العام، وأرصد ما يرافقه من نشاطات ثقافيّة وحوارات فكريّة، يلفتني على نحوٍ مؤلم الغياب شبه التامّ للمثقّف الفلسطينيّ القادم من الداخل. غياب أو تغييب، يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول موقع الثقافة اليوم وحدودها، وحول علاقتها بالسياسة والخرائط الجديدة التي تُرسم لفلسطين باسمها أو من دونها. فهل باتت الثقافة جزءاً من سياسات تُعيد رسم جغرافيا فلسطين، لا بوصفها أرضاً وشعباً متكاملاً، بل كمساحات مجتزأة يُسمح لبعضها بالحضور ويُقصى بعضها الآخر؟ وهل نحن إزاء تخلٍّ غير معلن عن فلسطينيّي الداخل، عن أبناء الأرض الأمّ، عن أولئك الذين بقوا في قراهم ومدنهم بعد نكبة 1948 ودفعوا ثمناً مضاعفاً للبقاء؟

سواء بتأشيرة دخول كإسرائيلية، أو بجواز فلسطيني مؤقّت مرفوض، حين أحضر معرض القاهرة، أحضره بلا اسم، وأغادره كما دخلته، خارج أيّ اعتراف. لا أريد من الزيارة سوى لقاءات جانبيّة، أجتمع خلالها بأصدقاء قدامى وأتعرّف إلى آخرين جدد في مقهى زهرة البستان. هناك، دون تنسيق مسبق، نلتقي حول طاولة صغيرة يعرفنا جميعًا صاحبُها أكثر ممّا تعرفنا المؤسّسات. الشاعر مهيب البرغوثي، بحضوره اليوميّ وحالته “البُستانيّة”، يقدّم نموذجًا لوطنٍ ممكن؛ وطن لا يحتاج إلى تصاريح، ولا إلى دعوات رسميّة، ولا إلى تعريفات مُسبقة.

مهيب البرغوثي، شاعر من مواليد قرية كوبر في قضاء رام الله، يحضر كلَّ عام إلى معرض الكتاب في القاهرة كمن يدخل امتحانًا شخصيًا مع فلسطين. يوقّع إصداراته في طقسٍ أقرب إلى عرضٍ مسرحيٍّ درامي، تتحوّل فيه كل الشتائم التي في رأسه إلى خجل من الكلمات والكاميرات، فيما ينتظر الحضور قراءته للشعر ويتربّصون بالمفاجأة التي لا يمكن لأحد أن يتوقّعها. في اليوم التالي نلتقي مجدّدًا عند طاولته في زهرة البستان، وطننا المحتمل، ونضحك كثيرًا كما لو أنّنا اختزلْنا الحياة في عرض عابر.

قد يهمّكم أيضا..
featured

حين حاولت الخوارزمية أن ترسم الذاكرة، فشلت في فهم الفلسطيني الذي يعيش خارج القالب

featured

ورشة إعمار غزة وفك القبضة الإسرائيلية

featured
مارون سامي عزامم
مارون سامي عزام
·2026-02-07 07:18:50

صُنّاع الكلمة الأذكياء ما زالوا بلا أرضيَّة متـينة!!

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-02-06 13:27:56

الكوميديا الدّامعة

featured

معالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر

featured
يوسف جمّالي
يوسف جمّال
·2026-02-06 13:15:24

وقائع نضالات خالي حسن

featured

العصفر وهادي العلوي والشيخ مصطفى

featured
مفيد صيداويم
مفيد صيداوي
·2026-02-06 13:09:33

الدكتور محمود عبّاسي عضو هيئة تحرير مجلة الإصلاح يغادرنا ونحن بحاجة لأمثاله