news
ملحق الجمعة

الزابود: أحداث، مواقف وذكريات (2)| محمد نفاع

شهر تموز

لست أدري كيف حدث كل ذلك في شهر تموز. أعيد بناء الدار التي هدمت في شهر تموز 1973، شهر ثورة الضباط الأحرار في مصر، وثورة العراق بقيادة عبد الكريم قاسم، اول جولة ناجحة في الزابود كانت في شهر تموز 1987، وكذلك في تموز 1997، والحالية 2020 في تموز، وكان شق شارع بيت جن – حرفيش رغما عن معارضة دائرة حماية الطبيعة في تموز، يومها شربنا القهوة تحت السنديان في الساعة الرابعة مع الفجر المبكر بعد الانتهاء من شق الشارع، أنا ونايفة وعدد من الرفاق والاصدقاء، ومن يومها بدأت المسيرة التقليدية التي اطلقوا عليها "مسيرة الانبياء" من سبلان في حرفيش الى بهاء الدين على قمة جبل حيدر، مشيا على الاقدام، مع المحوربة والغناء، والاهل في حرفيش وبيت جن يضعون المرطّبات والنُّقل امام بيوتهم، ويرشون الأرز، مع القهوة المُرة، كيف حدث كل ذلك في تموز!! وكذلك هزيمة المعتدين الاسرائيليين في لبنان سنة 2006.

في طفولتي سمعتُ الحادي الديراوي أبو سعود الأسدي يقول:

أهل بيت جن كرام الأم والأب

  قراة الضيف من رايح ومن آب

إعزمونا في شهر تموز وآب

  تنوكُل من دواليكو عِنب..

سنة 1987 تكلمت في عدة اجتماعات جماهيرية، في القرية وخارجها، في احدى المرات جاء الوزير روبنشتاين، وكان أحد اقاربي من ناحية أمي من مؤيديه، ودعاه الى وليمة غداء، يومها كانت حجة دائرة حماية الطبيعة – حماية زهرة كفّ الدبّ الجميلة، وهي حجة لمنع الناس من اصلاح ارضهم الجبلية، وطُلب مني ان اتكلم في ساحة المجلس المحلي، وأنا بسلامتي لا "خلّيت ولا بقّيت" لمعالي الوزير وحكومته وقلت: إحموا اللوف!! مالو اللوف!!

أشكلوا زهرته على صدوركم، الوزراء ونائبات البرلمان، شوشنه وعِدنا وأورا.. وللوف اسم آخر فيه كلمة نابية مع أنها صحيحة لغويا، نسمّيه حنّون العبد، زعل قريبي، وحَمرق مشايخ الدين، وضحكت النساء على السطوح، فما كان من حمَد السماعين إلا ان قهقه بضحكة ضاجة وانطرح على الارض وتبعه كثيرون حتى من مشايخ الدين، لأن الحنّون الذي يعني الزهرة نفسّره عندنا بالذّكر، عضو التذكير.

على وجبة الغداء التي لم أحضرها مع أنني دُعيت قال الوزير روبنتشتاين: الوحيد الذي تكلم من القلب وبشكل صحيح هو ذلك الشاب، والمقصود أنا: ولليوم يتندر الناس على تلك الجملة.

جاء احد المدسوسين او الجهلة وهتف:

عالزابود عالزابود إذبح إذبح اليهود. وهو موقف مرفوض، جاءت وسائل الاعلام الحكومية وركّزت على هذه الكلمات مع ان الناس أسكتوه. وأذكر كيف استغل اسحق شمير هذه الجملة وراح يحرّض وقال: إطْبح إطْبَح اليهود!!

يومها هيّأنا ملعبا لكرة القدم عند بركة شفنين، نظفنا الارض من الحجارة والبلان، والشفنين نوع من انواع اليمام او الحمام البري.

هذه الأحداث والمواقف أوحت لي بمجموعة من القصص: الجرمق، لبّيك يا قِمم الزابود، هبّت النار من قلب شفنين، نشرت في جريدة "الاتحاد" وقرأها كثيرون لأنها من الميدان، وكثيرون شاركوا في الموقف، أما مدى التقيّد بحبكة القصة القصيرة فالعلم ليس عندي، فيها الكثير من الشعارات والمباشَرة.

يومها حاول بعض زُلم حزب العمل التخريب بحجة ان رئيس المجلس المحلي محسوب على الليكود!! اجتمعوا مع بعض المسؤولين في حراشيم – التي كان اسمها  باب السوق – شرقي البقيعة، والتي أقيمت في قلب الوعر الجميل بلا معارضة من الدائرة التي تدّعي حماية الطبيعة، رحبتُ بهم بسخرية وقلت: أهلا بوفد التضامن من حراشيم!!

استمرت استفزازات دائرة حماية الطبيعة على الدوام، فلّتوا كلابا مدرّبة على شيخ مُسن راعي معزى: أبو أحمد كنج طافش، مزقت الكلاب ملابسه وهم يضحكون، بعدها قاموا بنفس التصرف مع واحدة قوية من نساء البلد على طريق الزّرب، وهي فلاحة تحمل بلطة حادة للعمل في الارض، فما كان منها إلا ان خبطت الكلب بالبلطة على رأسه هواية واحدة ومات الكلب، وهرب الموظفون.

وجاءت مجموعة من "رجال الدين اليهود" الحرِديم، وقالوا: هذه الارض الطيبة – الزابود – لأناس رديئين واعتدوا بالحجارة على العائلة التي تعمل في ارضها، وصلتُ الى هناك مع العشرات وأكلوا نصيبهم من الناس، أحدهم اختبأ في الوعر لثاني يوم، وواحد راح يلبط برجليه ويشتم، فما كان مني إلا ان معطتُ خصلة شقراء من لحيته وحملتها معي الى بيت الشعب، وأنا احترم اللّحى الشريفة وليست الدنسة.

في تموز 1997، كانت مواجهة عامة جماهيرية ثانية، مع نفس أذرع المصادرة والاضطهاد، والهدف الاستيلاء على الارض، كان رئيس المجلس المحلي يومها الأخ المحامي يوسف قبلان، كان الحدَث والهدف والنتيجة نسخة عن سنة 1987، تشكّل طاقم نضال الى جانب المجلس المحلي، كنت احد اعضائه، على دبّة الصوت هرعت الجموع من الرجال والنساء والاطفال، على الاقدام والسيارات والخيل والجرارات، وسهرات وولائم في النهارات والليالي، وانغام الأرغول تنكفت في الوعر. حملتُ عصاية سنديان "لوقا"، سماني احدهم بعصاية لوقا، رد عليه آخر وقال: العصاية لوقا لكن الموقف نسب. في مواقف النضال دفاعا عن الحق، تنزاح الخلافات العائلية والموقف من الانتخابات، وتتوحد الارادة الصلبة. يومها أخطأ الوزير يوسي سريد وقال عن اهل البلد برابرة، كان له مصوتون وأصدقاء في البلد، كنت من الذين وقفوا على "راس المطل" ولم نسمح له بدخول القرية، طردناه شر طردة، بعدها بمدة كنت وإياه في اجتماع انتخابي شعبي في جسر الزرقا، نحن في الحزب والجبهة وكذلك ميرتس أيدنا مرشح الرئاسة – عز الدين عماش– عاتبته:

انت كنت خارج البلاد، ولا تعرف الحقيقة كيف تقول عن اناس يطالبون بحقهم – برابرة!! لم يرد ولم يعلّق، وعز الدين عماش يضحك.

عقد اجتماع شعبي في ساحة المجلس المحلي، جاء احد الاشخاص وهو صديقي لكننا لسنا على خط سياسي واحد، وطبعا الحق معي أنا، جاء وقال: أنا جئت أتضامن معكم!!

جاء دوري في الكلام فقلت: أنا لست متضامنا معكم، ولا أريد ان أتضامن معكم، أنا واحد منكم، أنا ابن لقريتي، وعشيرتي وشعبي وأمتي وإنسانيتي،... في موجة التصفيق الحار انسحب الصديق الغلطان، فما كان من أحد أقاربه ومرافقيه إلا ان صرخ في وجهه: هيك أحسن لكْ يا متضامن، هيك اللي بحكي!! ولك هاي قضية بلدنا، ومن يومها أطلق عليه الناس لقب "المتضامِن" وبقينا أصدقاء، لأنه أكل نصيبه من أحد أقاربه وهذا يكفي.

دائرة حماية الطبيعة كان جل نشاطها إقناع الناس ببيع أرضهم في الزابود، او مبادلتها بمواقع أخرى، كان هنالك توجيه "بقطع" المعزى البلدية بحجة انها تشوه الطبيعة، وكانت معيشة الناس على فلاحة الارض وتربية المواشي، كانت القرية في الماضي تملك عشرين ألف راس معزى، واربعمئة راس بقر، وسبعين جمَلا. وهنالك أمثلة تقول: خير البشر على اكتاف البقر، ولكل ثور او بقرة اسم بحسب اللون على الغالب: زاغ وزاغة، نوّار ونوارة، حْجول، غزال غزالة، عريس عروس، شام، شيخان، زهير، حجاب. وكذلك المعزى: خَزْمه، عطره، رفْلَه، برشَه، شكّه، قطْشه، كحْلَه، شعلَه، كلمات تكتب مع ألف وهمزة في النهاية لكنها بلفظ هكذا، دَرْعَه، مترّكِه، مَلْحَه، رتْمَه، نَمْرَه، منبّطة.

وهناك قول يقول: قدمنا الحيلِه والكيلِه. الكيلِه هي المكيال للحَبّ من قمح وعدس وحمص... أما الحيلِه فهي شلّعة المعزى.

قال الجاحظ في كتاب البيان والتبين: "الثلّة: الضّأن الكثيرة، ولا يقال للمعزى ثلّة، ولكن حيلة". الجزء الأول صفحة 126.

بعد تجفيف الحولة، اكتظ وعر البلد بالخنازير البرية المؤذية، تقضي على الزرع من حبوب وعنب وتفاح: وقلت في واحد من خطاباتي: هناك عدوّان لدودان للزابود والارض، دائرة حماية الطبيعة، والخنازير البرية، الخنازير لا تقصد الأذى، تريد ان تعيش، وهي قوية، تنطح السياج الضعيف وتهدّه، وليست هي التي سنّت قانون كامنيتس، اما دائرة حماية الطبيعة فمنعت اقامة كل سياج ماكن ومتين مع "شوية باطون" وكذلك اقامة مخزن للادوات الزراعية، او حتى سهمدة طريق مشقوق فرعي بطول عشرة امتار يسهّل الوصول الى الارض المشجّرة.

هذه بعض النماذج من مضايقات هذه الدائرة ومن يقف من ورائها، وصدق شاعرنا سميح القاسم الذي قال: هؤلاء حراميّة الطبيعة.

وتعود بي الذكرى الى ايام الطفولة، وأنا أنام في الزابود، تحت السما والطارق واترنّم على أجراس الجِمال وهي تحمل القمح والشعير والقطاني – من عدس وكرسنّه، من مواقع الزابود العديدة الى بيادر البلد، بيادر الربيعة والصّفايِة والغَرْز والسّماط، والى الجرس المعلق على رقبة كراز المعزى والنّجْر على الشبابة والارغول، والاغاني الشعبية، جفرا، وزريف الطول، واغنيات الدبكة الشمالية، والشعراوية...

اما الجِمال فكانت تحمل القمح من الخيط. قالت أعرابية في الزمن الماضي، الجمَل فيه كل البركة، ان حمَل أثقل، وإن مشى أبعد، وإن ذُبح أشْبع، وان حُلب أروى.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب